أخبار عاجلةمقالات

أنواءُ الرُّوح​…. شهادةُ قلمٍ عاصَرَ الانكسار.. ​الحلقة 60 (الاخيرة)

 

​ القناع الأخير

​▪️ نقف اليوم على خط النهاية بهذه المحطة الأخيرة من رحلتنا الموجعة، لنطوي سفراً كاملاً من الوجع والتوثيق عبر دروب «أنواء الرُّوح»، جازمين بأن الاعتراف الحقيقي بالانكسار وتصدعات النفوس والجسد الاجتماعي للبلاد هو العتبة الأولى لأي علاج ناجع، فجراحنا لا تبرأ بالتغافل أو ستر العيوب، بل تستوجب مكاشفة مكشوفة لحجم الشروخ التي مزقت نسيجنا وفتتت معاقل التعايش بين الناس.
​▪️ داخل هذا السفر المكتوب بوجع الدم والذي افتتحناه بسقوط الأقنعة، حاولت نقل هول الطامة التي هدت أركان بيوتنا السودانية بعيداً عن برود الملاحظة، متتبعاً دروب النزوح وغياهب المعتقلات بدءاً من أزقة أم درمان ووصولاً إلى حاضرة الشمال دنقلا، لتظل سطورنا وثيقة حية للأجيال القادمة تروي بشاعة المليشيات وقسوة الظلم الذي طال العباد والبلاد بلا استثناء.
​▪️ سعينا طوال هذه الحلقات لفك طلاسم الخراب عبر خطين متوازيين؛ رصد “أنواء” الترحال والتهجير والاعتقال، وتعقب “خيبات” الأهل والمجتمع التي ظهرت حين باغتتنا طعنات القريب والجار، وحين غدا الصمت الجماعي سواتراً للزور وخاذلاً للأبرياء وهم يُساقون للموت بوشاية دنيئة وترقب خائف شل الأطراف.
​▪️ استدعيت وإياكم ذكريات الشهور العجاف وتكايا الكرم التي جاعت فصبرت وكانت الملجأ الأخير لكسر اسورة الجوع، وكيف انكمشت المؤونة في البيوت لتصير متراساً يقاس بالجرام، حتى انتهى بنا المطاف إلى تكايا الأحياء حين انعدم القوت ولم يبقَ غير التكافل العفوي وأيادي المتطوعين البيضاء التي أطعمتنا من لحم أكتافهم الحية.
​▪️ سردت لكم بعين الحقيقة المجردة أهوال الموت بنادي المشاهدة وهدير الرصاص العشوائي الذي أخرس ضجيج البيوت فتركها مقابر ساكنة، وتطواف الرفاق في طابور القطيع نحو معتقلات العنت والجهل، متجرعين مرارة عصيدة العيد الممزوجة بإهانة الأسر ووصايا الآباء المكلومين على مرمى فوهات القناصة.
​▪️ لم تكن تلك الحرب مجرد رصاص يستهدف الأرواح، بل غارة خسيسة لاغتيال المروءة والستر، إذ شهدت غرف التحقيق المعتمة أقبح صور الإذلال واستجوابات الجهل البليدة لكل من الإعلامي والترزي وبتاع الدكان بتهمة التفكير والوعي، لينصب الواشي قاضياً يوزع صكوك النجاة والموت بنظرة عين عابرة.
​▪️ تتدافع اليوم المساعي والمشروعات الباحثة عن جبر الضرر المجتمعي لترميم ما هدمته آلة الفتنة، وهي مساعي طيبة تحتاج إلى ترتيب صارم يضمن وصول الحق لأصحابه الحقيقيين من ضحايا البطش والنزوح، لتكون بداية عملية لرتق الفتق واستعادة الحد الأدنى من ثقة غابت بين أهل مزقتهم المدافع والشائعات.
​▪️ تنبع قوة المصالحات القاعدية وأهل الحل والعقد من قدرتها على ملامسة أصل الوجع بعيداً عن بهرجة السياسة، فالإدارات الأهلية والوجهاء يملكون الرصيد والقبول لطي الخلافات بكلمة صادقة وعدل منجز يعيد الحقوق ويحيي أخوة الإنسانية، لتعبر البلاد محنتها الكبرى بروح التراحم والتكاتف القديم.
​▪️ تفرض المرحلة المقبلة لزوم التخلي عن العصبيات واعتماد قيم المواطنة الخالصة وسيادة القانون، إذ لم تعد الأعراف القديمة تكفي لمواجهة خراب الحرب، الأمر الذي يتطلب وعياً جديداً يرفع شأن الكفاءة والإنصاف ويحتضن تنوعنا المجتمعي كسور مانع لتكرار الكارثة.
​▪️ يستشرف وطننا عقداً اجتماعياً محكوماً بالمساواة والعدل وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، ليكون دستوراً أخلاقياً وسياسياً يحمينا من عودة المأساة ويضمن لكل سوداني عيشاً كريماً بلا إقصاء، وهو فرض وطني لا يملك الشرفاء ترف تجاهله رغم عراقيل المتربصين.
​▪️ يرزح على كواهل الشباب عبء المستقبل وبناء ما تهدم، فهم وقود التغيير الحقيقي وأدوات التعمير متى ما وجدوا طريق المشاركة الحرة بعيداً عن الوصاية، ليكونوا قاطرة النهوض وتصحيح البوصلة نحو غد يملؤه العدل والسلام لأبناء هذا الشعب الصابر.
​▪️ تتطلب مواجهة المسكوت عنه شجاعة فكرية تقتحم الملفات الحارقة كالظلم التاريخي والاعتقالات الباطلة، فالمصارحة وحدها هي الميزان العادل لضمان عدم إفلات الجناة وإنصاف الضحايا وإغلاق أبواب الفتنة للأبد أمام العابثين بسلامة البلاد.
​▪️ ينهص الوطن اليوم من وسط الرماد والخراب أكثر صلابة وأعمق وعياً بأخطار التمزيق، معتمداً على صلابة شعبه وتضحيات رجاله الأبرار الذين صنعوا ملاحم الصمود بوجه الطغيان، ليشهد التاريخ أن إرادة البقاء والعدل هي الغالبة مهما طال ظلام المحنة واشتد البلاء.
​▪️ طي الملفات أو التستر على الجرائم بحجة النسيان جريمة بحق دماء الشهداء وعذاب المكلومين، والتاريخ لا يغفر المتواطئين، فالعدل الحق يقتضي كشف المستور بلا تجميل ليدرك الأبناء حجم التضحيات وتبقى جذوة الوعي مشتعلة في وجه كل محاولات الطمس والنسيان.
​▪️ أخيراً، يظل هذا التوثيق الأمين درعاً يصون هويتنا من التحريف وسجلاً ناصعاً لبطولات شعبنا، مؤكدين أن السودان بكل أوجاعه قادر بساعد أبنائه الأحرار على البعث من جديد، ليمضي بثبات نحو دولة العدل والكرامة، وليرث أجيالنا القادمة يقيناً راسخاً بأن غد السودان أبهى وأعظم من كل جراح الماضي.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى