أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. حرب المسيرات وحتمية تحصين شريان الدولة

 

لم يكن استهداف مستودعات الوقود في “أم عليلة” شرقي مدينة ود مدني فجر الأحد الماضي حدثََا أمنيََا عابرََا يمكن تجاوزه ببيان إدانة وفرق إطفاء،إنما هو جرس إنذار استراتيجي يدق بعنف ليقول إن قواعد الحرب قد تغيرت تمامََا.هذه المستودعات التي شيدت في العام (2022م) بسواعد وخبرات سودانية خالصة وتبلغ سعتها عشرين ألف متر مكعب من البنزين والجازولين موزعة على أربعة خزانات، كانت ولا تزال الشريان الرئيس الذي يغذي ولاية الجزيرة ويمتد أثره ليصل إلى سنار والنيل الأزرق والقضارف وكسلا وقد استهدفت بطائرات مسيرة انقضاضية في الساعات الأولى من الصباح، فاشتعل خزانان وتصاعد الدخان فوق مشروع الجزيرة ولولا لطف الله عز وجل،ثم تدخل الدفاع المدني بسرعة وتبريد الخزانات المجاورة في الوقت المناسب لتحول الحريق إلى كارثة تحرق معها موسم زراعي كامل وتشل حركة النقل والخدمات في وسط السودان.

نحن اليوم في قلب الجيل الخامس من الحروب، حرب لم تعد فيها المواجهة بدبابة مقابل دبابة أو طائرة مقابل طائرة، بل أصبحت مسيرة لا يتجاوز ثمنها خمسة آلاف دولار قادرة على تدمير مستودع تبلغ كلفته خمسين مليون دولار، حرب قوامها الطيران المسير والصواريخ الموجهة عن بعد وتشويش إلكتروني عبر منظومات ذات تقنية عالية.

لقد اكتشفت كل الدول التي خاضت هذه الحرب، من أوكرانيا إلى المملكة العربية السعودية بعد هجوم (2019م) على “أرامكو”، أن الدفاعات التقليدية لم تعد ذات جدوى، فالرادار التقليدي لا يلتقط المسيرة الصغيرة منخفضة الارتفاع والمدفع المضاد للطائرات لا يجدي نفعََا أمام سرب من ثلاث مسيرات تهاجم في آن واحد كما حدث عند ضرب مستودعات الجزيرة.

إن حماية المنشآت الحيوية من محطات الكهرباء والمياه ومستودعات الوقود والمستشفيات لم تعد مهمة حراسة تقليدية ولكنها أصبحت منظومة حماية متكاملة تبدأ أولََا بالحماية الفيزيائية الصلبة،فالعالم اليوم يحمي خزانات الوقود بجدران خرسانية مسلحة بسماكة متينة وسواتر ترابية وشباك فولاذية تعرف بـ(قفص الحماية) مهمتها تفجير المسيرة قبل وصولها إلى جسم الخزان، ثم ثانيََا بالحماية الإلكترونية وهي الأهم والأرخص والمتمثلة في أنظمة التشويش والخداع الإلكتروني التي تقطع الاتصال بين المسيرة وموجهها وتجبرها على السقوط بعيدََا، وتكلفة المنظومة الواحدة منها لا تتجاوز مائتي ألف دولار بينما خسارة يوم واحد من توقف مستودع تتجاوز الملايين، ثم ثالثََا بمبدأ اللامركزية والتخزين تحت الأرض، فالخطأ الاستراتيجي القاتل هو أن نضع عشرين ألف متر مكعب من الوقود في نقطة واحدة مكشوفة، بينما تعتمد الدول الذكية توزيع مخزونها على عشر مستودعات صغيرة نصفها تحت الأرض، فإن ضُرب واحد منها بقيت التسعة الأخرى تعمل ولن تتأثر الامدادات.

إن ما حدث في الجزيرة يكشف أننا نتعامل مع حرب عام (2026م) بعقلية القرن الماضي،حيث الحروب التقليدية،إذ لا يمكن بأي حال أن نترك وقود الموسم الزراعي وكهرباء المستشفيات ومياه المدن تحت رحمة مسيرة عابرة.

إن الأمر يتطلب قرارََا سياديََا عاجلََا يصنف أهم المنشآت حيوية في البلاد كمنشآت سيادية محصنة بقانون خاص وتمويل مفتوح وإنشاء وحدة إتحادية لمكافحة المسيرات تتبع للدفاع الجوي،مهمتها الوحيدة حماية البنية التحتية بأنظمة الرصد الحراري والتشويش وإلزام كل منشأة جديدة بمعايير التحصين الحديثة من جدار خرساني وقفص فولاذي ونظام تشويش،فالتمويل المحدود ليس عذرََا على الإطلاق، لأن خسارة مستودع واحد تعادل كلفة حماية عشرة مستودعات لمدة عشر سنوات والدولة التي لا تحمي شريانها ستظل تنزف حتى الموت،لذلك حماية المنشآت هي صلب الأمن الوطني في عصر حرب المسيرات.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى