د. محمد بشير عبادي يكتب.. المسؤولية الاجتماعية للإعلام.. بين الحفاظ على ثوابت الدولة وحرية التعبير

تتجدد في الساحة السودانية حالة من الاحتكاك المتصاعد بين بعض الصحفيين والوزراء حتى وصل الأمر إلى مواجهات مباشرة مع رئيس الوزراء نفسه تحت شعار حرية الرأي والتعبير، وهي حالة تستدعي التوقف عندها تأصيلََا لمبدأ غاب كثيرََا عن أذهان الإعلاميين السودانيين خاصة الصحفيين وصناع المحتوى وهو مبدأ المسؤولية الاجتماعية للإعلام،فالحرية المطلقة في الإعلام هي خرافة ووهم من أساطير التضليل الإعلامي، إذ لم تطبق في أي دولة في العالم حتى تلك التي ترفع شعار الحرية أولََا، لأن الإعلام ليس حقََا فرديََا مطلقََا إنما هو وظيفة اجتماعية لها التزامات تجاه المجتمع والدولة،فالخبر أو المقال أو المقطع الذي ينشر سيتداوله الناس وله تأثيره،فهو هنا قد خرج من النطاق الخاص إلى العام ولخطورة ذلك صيغت لمبدأ المسؤولية الإجتماعية نظرية إعلامية بواسطة “لجنة هاتشينز الأمريكية “سنة (1947م) وخلاصتها أن حرية الصحافة يجب أن تقترن بمسؤولية تجاه المجتمع، فإذا عجزت الصحافة عن ضبط نفسها فإن الدولة تتدخل بالقانون ومن هنا جاءت كل مواثيق الشرف الصحفي في العالم.
الصحفي حر في أن ينتقد أداء الوزير ومن صميم واجبه أن يكشف الفساد والتقصير، لكنه ليس حرََا في أن يهدم هيبة الدولة نفسها أو يشكك في سيادتها أو ينشر معلومات تضرب اقتصادها وأمنها الوطني أو يقدم صورة قاتمة عن بلاده للخارج تخدم أجندات معادية. وما يحدث اليوم في السودان هو انفلات في فهم الحرية، فبعض المنصات تحولت من ناقد لأداء الحكومة إلى معول هدم لصورة السودان في الخارج، فخبر عن جريمة جنائية فردية يتحول إلى بث مباشر يتابعه الملايين بعنوان يوحي بانهيار الدولة، ووزير يخطئ في تصريح فيتم شيطنته شخصيََا وأسريََا، ورئيس وزراء لدولة في حالة حرب وتحديات دولية معقدة يتم التعامل معه بمنطق المكايدة والمقاطع الساخرة بدلََا من النقد البناء.
إن الحرية المنشودة هي حرية مسؤولة تفرق بين نقد القرار ونسف الدولة، وبين كشف الفساد وتسريب أسرار الدولة، وبين محاسبة الوزير وإهانة المنصب الذي يمثل سيادة السودان.
هذا يقود للحديث عن الخطوط الحمراء والتي هي ليست اختراعََا سودانيََا ولا دعوة للديكتاتورية، فكل الدول المتقدمة التي تحترم سيادتها وتحرص على أمنها وضعت خطوطََا حمراء صارمة للإعلام حفاظََا على مصالحها العليا. سنغافورة مثلََا تمنع بالقانون نشر أي أخبار كاذبة تضر بالمصلحة العامة عبر قانون “الحماية من المعلومات الكاذبة والتلاعب عبر الإنترنت- Protection from Online Falsehoods and Manipulation Act (POFMA)” وتعتبر تشويه سمعة الحكومة جريمة تهدد الاستقرار. ورواندا بعد مأساة الإبادة الجماعية وضعت قانونََا صارمََا يمنع خطاب الكراهية والتمييز القبلي في الإعلام، فالصحفي الذي يثير النعرات القبلية يحاكم بتهمة تهديد السلم الوطني وهذا ما حفظ وحدتها. وقطر تمنع تصوير ونشر المناظر القبيحة وأماكن تجمع النفايات والجرائم البشعة وحتى حوادث المرور المروعة حفاظََا على الصورة الذهنية السياحية والاقتصادية للدولة، لأن الصورة القبيحة لا تخدم المواطن بل تخدم المنافسين. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا رغم كل شعارات الحرية لديهما نظام إشعارات الأمن القومي الذي يمنع الصحافة من نشر أي معلومة عن تحركات الجيش أو الأجهزة الاستخبارية أو المفاوضات الاقتصادية الدولية بحجة الأمن القومي. والمغرب وتونس لديهما مواثيق تمنع نشر أخبار تمس العملة الوطنية أو الاحتياطي النقدي أو الثقة في البنوك لأن خبرََا واحدََا كاذبََا قد يدمر اقتصادََا كاملََا.
المطلوب اليوم في السودان ليس قانونََا قمعيََا جديدََا،إنما ميثاق شرف ملزم يتوافق عليه الصحفيون أنفسهم وتتبناه نقابة الصحفيين، يضع دوائر حمراء واضحة، دائرة السيادة التي تمنع أي نقد يمس السودان في سيادته وجيشه وتمثيله الخارجي، ودائرة الاقتصاد التي تمنع نشر شائعات تمس العملة والبنوك والاستثمار والمساعدات الإنسانية، ودائرة الصورة الذهنية التي تتوقف عن تصدير الصورة القبيحة للسودان للعالم، فالجريمة الجنائية تعالجها الشرطة والقضاء ولا يجب أن تتحول إلى مادة إثارة ودعاية سوداء تدمر ما بقي من سمعة البلد،كما يجب الرجوع للمصادر الرسمية في مؤسسات الدولة عند نشر الأخبار مع وجود ناطق رسمي واحد للدولة يقدم الافادات الإعلامية حسب المواقف والأحداث المطلوب توضيحها للرأي العام.
إن حرية الرأي مقدسة لكن السودان الدولة أقدس ومن لا يستطيع أن يمارس حريته بمسؤولية تجاه وطنه في ظرف الحرب فهو لا يمارس حرية ولكن يمارس فوضى،فالحفاظ على هيبة الدولة ليس تطبيلََا لحاكم،هو حفاظ على الحد الأدنى من الثوابت الوطنية حتى لا تنهار الدولة التي بانهيارها ساعتها لن يبقى لا وزير يُنتَقد ولا صحفي ينتَقِد.