د. محمد بشير عبادي يكتب.. أوروبا تحصد مازرعت..عندما انقلب سحر التهجير والهجرة على الساحر

ما تشهده شوارع باريس وميلانو ولشبونة وبروكسل اليوم من إحتجاجات عنيفة بسبب غلاء المعيشة وبسبب الموازنة التي خلت من المكاسب القديمة،مما جعل مستوى الرفاهية التي عرفتها أوروبا منذ قرون يتدحرج للأسوأ.إنها الفاتورة المؤجلة لقرنين من هندسة ديموغرافية خاطئة بدأت داخل عنابر السفن واكتملت في مكاتب الليبراليين.
كان الأوروبيون أكبر نخاسين في التاريخ الحديث ومع جنون الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر احتاجت مصانع مانشستر وليون وحقول القطن إلى ملايين الأيدي الرخيصة فكان الحل هو تصدير الإنسان الأفريقي كسلعة، سفن محملة بالبشر من سواحل السنغال وغانا إلى مصانع أوروبا ومزارعها.
وعندما سقطت تجارة الرقيق أخلاقيََا لم تسقط اقتصاديََا إنما تغير اسمها فقط، فأصبحت تسمى “استقدام عمالة” ثم هجرة ثم تنوعا ثقافيََا ثم “لوتري”، وحذت أمريكا حذو أوروبا بنفس المنطق ففتحت أبواب الهجرة العشوائية وبرامج اللوتري ليس حبََا في الإنسان بل حبََا في اليد العاملة الرخيصة التي لا تطالب بتأمين صحي ولا تقاعد ولا إجازة.
الليبراليون هم من قاد هذه الحملة بكل حماس، شجعوا الهجرة بلا حساب واعتبروا أي حديث عن العواقب عنصرية وفتحوا الحدود تحت شعار السوق المفتوح وحقوق الإنسان، ولم يسألوا سؤالا بسيطََا ومصيريََا هو ماذا سيحدث بعد ثلاثين سنة لهذه الكتل البشرية التي نكدسها في الضواحي؟!!.
الآن وبعد عدة أجيال نشأت طبقات جديدة داخل المدن الأوروبية لا تشبه المجتمع الأوروبي الكلاسيكي في شيء، ثقافة مختلفة وعادات مختلفة ولغة ثانية في البيت وولاء منقسم، ولم يحدث الاندماج الذي وعد به الليبراليون ولكن حدث تجاور بارد، حي أفريقي وحي عربي وحي أوروبي أصلي، كل واحد يعيش في عالمه ويغلق بابه والأخطر أن هذه الكتل استقرت في قاع السلم الاقتصادي في وظائف التنظيف والنقل والخدمات، ومعها تآكلت الطبقة الوسطى الأوروبية التي كانت عمود القارة، فالفلاح الفرنسي أوالعامل الإيطالي وجد نفسه يتنافس مع وافد يقبل بنصف الأجر فانخفض أجره هو أيضََا وارتفع سعر بيته لأن الطلب على السكن تضاعف وضاعت مدخراته بين الإيجار والضرائب.
ثم جاءت الضربة القاضية وهي التطور التكنولوجي، فالمصانع التي كانت تحتاج ألف عامل أصبحت تحتاج روبوتََا واحدََا والمزارع التي كانت تحتاج موسمََا كاملََا للحصاد أصبحت آلية بالكامل والذكاء الاصطناعي ألغى وظائف المحاسبة والترجمة وخدمة العملاء وعديد الوظائف، وأوروبا وأمريكا لم تعودا بحاجة لتلك الأيدي الكثيرة التي استوردتها بالأمس. فظهرت البطالة أولََا في صفوف الوافدين ثم في صفوف أبناء البلد، وأصبح الوافد الذي جلبوه كعامل رخيص عبئََا اجتماعيََا يطالب بسكن ومساعدات وتعليم.
وهنا انقسم المجتمع إلى ضفتين لا تلتقيان، فالمجتمع المحافظ الأوروبي تذمر كرهََا في الوافدين لخوفه على طمس هويته،حيث يرى مدنيته تتغير ولغته تتراجع في الشارع وقيمه الكلاسيكية تنحسر فيرفع شعار أوروبا للأوروبيين. وفي المقابل يرى الوافدون أنهم بنوا هذه البلاد بعرقهم وأن من حقهم العيش بكرامة وأنهم جزء من المجتمع دفعوا الضرائب وولد أبناؤهم هنا ولم يعودوا ضيوفََا. وهذا هو صلب انفجار اليوم، ليس مطالب أجور فقط بل صراع هوية واقتصاد مؤجل منذ قرن.
أوروبا اليوم تعود إلى أصلها مرغمة، فبعد أن استغنت الآلة عن اليد لم يعد هناك مبرر اقتصادي للهجرة المفتوحة فبدأ الزهد في الوافدين، وما كان يزينه الليبراليون في التسعينيات كقوة عاملة أصبح اليوم في خطابهم نفسه أزمة سكن وضغطََا على الخدمات،لقد زرعوا العمالة الرخيصة وحصدوا مجتمعََا منقسمََا وما يحدث الآن هو مما كسبته أيديهم.