أخبار عاجلةمقالات

لجنة الأمل.. من الفكرة إلى العودة

 

*في خواتيم العام الماضي، قادتني الظروف الصحية إلى العاصمة المصرية القاهرة، حيث أمضيت عدة أشهر في رحلة علاجية أعقبت عملية القلب المفتوح التي أجريتها في مروي. ورغم زياراتي المتعددة لأرض الكنانة، فإن المشهد الذي استوقفني هذه المرة كان الحضور السوداني الكثيف في شوارع القاهرة ومدن مصر الأخرى، سودانيون دفعتهم الحرب إلى مغادرة ديارهم بحثا عن الأمان، فوجدوا في مصر ملاذا احتضنهم في واحدة من أقسى محطات حياتهم.
*في تلك الأجواء، كانت لجنة الأمل للعودة الطوعية تبصر النور، حاملة فكرة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها وتحدياتها.. كيف نعيد أبناء السودان من المخالفين لنظام الإقامة إلى ديارهم وكيف نعيد السودانيين الذين طحنتهم الظروف الاقتصادية إلى وطنهم، ونساعد الأسر التي أنهكتها الحرب والغربة وضيق ذات اليد على تجاوز العقبات التي تحول دون العودة؟
*كانت أخبار اللجنة وتفاصيل تحركاتها تصلني تباعا عبر الزميل العزيز والصديق الحبيب عاصم البلال، الناطق الرسمي باسمها، الذي ظل يضعنا في صورة جهودها ومساعيها لتيسير عودة السودانيين إلى ديارهم. ومع مرور الوقت، انتقلت الفكرة من مجرد مبادرة إلى تجربة تستحق الوقوف عندها، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي جعلت العودة حلما مؤجلا لدى كثير من الأسر، حتى بعد استعادة القوات المسلحة عددا من المدن والمناطق.
*حسنا.. اليوم جمعتنا جلسة مع رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية، المهندس محمد وداعة، بحضور عدد من الزملاء الصحفيين، فكان الحديث فرصة للتعرف عن قرب على تجربة اللجنة، منذ أن كانت فكرة، مرورا بمراحل تأسيسها وانطلاق عملها في إعادة السودانيين المخالفين لنظام الإقامة في مصر، وصولا إلى طموحاتها لتوسيع مظلة العودة لتشمل السودانيين الموجودين في ليبيا وأوغندا وكينيا وغيرها من البلدان.
*تحدث وداعة بوضوح وصراحة،واستعرض مسيرة اللجنة والتحديات التي تواجهها، دون أن يتوارى خلف العبارات المنمقة أو لغة البيانات الرسمية. وقد لفتني في حديثه تأكيده أن اللجنة ترحب بالنقد الموضوعي، وتراه وسيلة لتصحيح المسار وتطوير الأداء، شريطة أن يستند إلى معلومات ووقائع، وأن تكون غايته المصلحة العامة، لا تصفية الحسابات أو استهداف الأشخاص.

*وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن وداعة من الشخصيات التي عرفت بانتقادها لتجربة الإنقاذ، حتى في أوج سطوتها. ولعل هذه الخلفية تجعل حديثه عن ضرورة تقبل النقد أكثر أهمية، فالمواقف تختبر حين يصبح الإنسان مسؤولا عن عمل عام، ويجد نفسه في مواجهة الملاحظات والانتقادات التي تصاحب كل تجربة.
*إن العمل العام لا يدار بالتصفيق وحده، كما أن النقد لا يصبح موضوعيا لمجرد رفع شعارات الإصلاح. بين هذا وذاك، تبقى الوقائع هي الفيصل، والإنجازات هي المعيار، والمصلحة العامة هي الغاية. ومن حق لجنة الأمل أن تدافع عن تجربتها، كما أن من حق الآخرين تقييمها ونقدها، ما دام الحوار قائما على المعلومات والحقائق، بعيدا عن الشخصنة والمزايدات.

*لكن أبرز ما حملته جلستنا مع وداعة كان ما كشف عنه بشأن مساعي إعادة السودانيين الموجودين في ليبيا عبر مسار بري يبدأ من طبرق، مرورا بالأراضي المصرية، وصولا إلى السودان.
وبحسب ما أوضح، فإن المقترح أصبح أمام الدولة للنظر فيه والموافقة عليه، بما قد يفتح الباب أمام عودة أعداد من الأسر السودانية التي طال بها المقام في بلاد اللجوء، وأثقلت كاهلها تكاليف المعيشة، وأصبحت تتطلع إلى العودة واستعادة حياتها في الوطن.
*إنها خطوة تستحق الاهتمام، لكنها لا تزال بحاجة إلى قرار رسمي وترتيبات عملية حتى تتحول من مقترح إلى واقع. فطريق العودة من ليبيا عبر مصر لا يتعلق بمجرد توفير وسيلة نقل، وإنما يتطلب تنسيقا بين الجهات المعنية في الدول الثلاث، وترتيبات واضحة لعبور العائدين، وضمانات لسلامتهم، وتنظيما لعمليات الاستقبال والوصول إلى وجهاتهم داخل السودان.
*وهنا تبرز مسؤولية الدولة، فالمبادرات الشعبية تستطيع أن تفتح الأبواب، وتحشد الدعم، وتخفف الأعباء، لكنها تحتاج إلى مؤسسات رسمية تتولى ما يلزم من إجراءات وقرارات حتى تكتمل حلقات العمل.
*إن ما يميز لجنة الأمل، بحسب ما توافر من معلومات عن تجربتها، أنها تقوم على الجهد الطوعي، وتجد مساندة شعبية، إلى جانب دعم من بعض الجهات الحكومية ورجال الأعمال الوطنيين الذين أسهموا في تمويل عودة سودانيين، لا سيما المرضى وكبار السن والنساء وغيرهم ممن تضاعفت معاناتهم بفعل الحرب والظروف الاقتصادية الطاحنة.
*وهذا الجانب يستحق التوقف عنده، لأن العودة الطوعية ليست شأنا إجرائيا محضا، بل قضية إنسانية تتطلب تضافر الجهود. فهناك أسر لا ينقصها الحنين إلى الوطن، وإنما تعجز عن توفير تكاليف الرحلة، وهناك مرضى وكبار سن يحتاجون إلى ترتيبات خاصة، وآخرون ينتظرون فرصة تتيح لهم مغادرة بلدان اللجوء والبدء من جديد.
*عموما.. منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، لم تقتصر خسائر السودانيين على المنازل والممتلكات ومصادر الرزق، بل امتدت إلى تمزيق الروابط الاجتماعية وتشتيت الأسر ودفع الملايين إلى مغادرة ديارهم. وبين من استطاع العودة ومن لا يزال ينتظر، تتسع الحاجة إلى حلول عملية تراعي اختلاف ظروف الناس وأوضاعهم.
لكن من المهم أيضا ألا تتحول العودة إلى مجرد أرقام تعلن أو رحلات تسير، فنجاح أي برنامج للعودة يقاس بسلامة العائدين، وقدرته على الوصول إلى الفئات الأشد احتياجا، ومدى استجابته للعقبات الحقيقية التي تواجه الأسر. كما أن تقييم تجربة لجنة الأمل ينبغي أن يستند إلى نتائجها الفعلية، وأن يظل باب المراجعة والتطوير مفتوحا أمامها.
*إن ملف السودانيين في ليبيا يمثل اختبارا جديدا لقدرة الجهود الطوعية والرسمية على تحويل الرغبة في العودة إلى خطوات ملموسة. والمطلوب الآن هو استكمال النظر في المقترح، وتحديد المسؤوليات، ووضع الترتيبات اللازمة، حتى لا تبقى الفكرة حبيسة الانتظار، ولا تتحول آمال الأسر إلى وعود مؤجلة.
حسنا.. خرجت من جلستنا مع المهندس محمد وداعة بانطباع أن أمام لجنة الأمل ملفات كبيرة تنتظر الإنجاز، وأن تجربة العودة الطوعية، مهما كانت الصعوبات التي تواجهها، تستحق المتابعة والنقاش المسؤول. فلا أحد يملك حق احتكار العمل العام، ولا توجد مبادرة فوق النقد، لكن الإنصاف يقتضي أيضا الاعتراف بالجهود المبذولة، ومساندة ما يمكن أن يخفف معاناة السودانيين.
*إن العودة إلى الوطن ليست منة من أحد، وإنما حق تتطلع إليه الأسر التي شردتها الحرب، ومسؤولية تتقاسمها الدولة والمجتمع وكل من يستطيع المساهمة في تذليل الطريق أمام العائدين.
*وتبقي الرسالة الأهم من تجربة لجنة الأمل أن المبادرات تبدأ بفكرة، لكنها لا تبلغ غاياتها إلا حين تجد الإرادة والدعم والقرارات التي تنقلها إلى أرض الواقع.
أما الأمل الحقيقي، فليس في أن تظل أبواب العودة مفتوحة على الورق، بل في أن يجد السودانيون الذين فرقتهم الحرب طريقا آمنا إلى ديارهم، وأن تصبح العودة بداية لاستعادة الحياة، لا مجرد نهاية لرحلة اللجوء.
* في الواقع.. الوطن الذي غادره أبناؤه تحت ضغط الحرب، ينبغي أن يجدوا فيه ما يستحق العودة إليه، وأن تتضافر الجهود حتى لا تقف الظروف الاقتصادية أو تعقيدات الإجراءات حائلا بينهم وبين ديارهم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى