د. محمد بشير عبادي يكتب.. فلنستثمر الكنز

لم يكن الصينيون يملكون نفطََا، ولم يكن الفيتناميون يملكون ذهبََا، ولم يكن المغاربة يملكون نيلََا. ومع ذلك سبقونا، لأنهم فهموا حقيقة بسيطة غابت عنا: الفقر يكون في اليد التي لا تحول ما في الأرض إلى قيمة،فالأرض حبلى بالثروات من فوقها وفي باطنها. نحن في السودان نبيع الكيلو من السمسم بدولار واحد ليشتريه غيرنا ويبيعه زيتا بعشرة دولارات، نبيع جلد البقرة بخمسة دولارات ويعود إلينا حذاء بثمانين دولارََا. نحن لا نصدر منتجات، نحن نصدر فرص عمل لغيرنا ونستورد بطالتنا.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس “من أين نأتي بالتمويل لبناء المصانع الكبرى؟” بل “كيف نحول البيت السوداني إلى مصنع، والحوش إلى ورشة، والدكان إلى شركة تصدير؟”. فالصناعات التحويلية الصغيرة التي لا تكلف قيمة هاتفين محمولين هي وحدها القادرة على قلب المعادلة من شعب يستهلك مما لا ينتج إلى شعب ينتج ما يستهلك وما يصدر.
هذه الصناعات ليست حلمََا، فهي لا تحتاج إلى أكثر من (500 إلى 5,000 دولار) لتبدأ، ولا تحتاج إلى كهرباء صناعية ولا إلى مدينة صناعية،إذ يمكن أن تقام في غرفة واحدة،فالسودان الذي يملك (200 مليون) فدان صالحة للزراعة و(107 مليون) رأس ماشية و(80%) من إنتاج الصمغ العربي العالمي، قادر على أن يحول كل مادة خام إلى عشرات المنتجات: تجفيف البصل والطماطم والمانجو وتحويلها إلى مسحوق يصدر بالدولار،طحن الفول السوداني إلى زبدة “دكوة” حيث يبلغ سعر طن الخام (600 دولار) بينما طن الزبدة يتجاوز (2,500 دولار)، تصنيع الصابون ومستحضرات التجميل من زيت السمسم، دباغة الجلود وتحويلها إلى أحذية وشنط، حياكة القطن طويل التيلة في مشاغل منزلية، تعبئة الكركدي والتبلدي والتوابل…كلها صناعات ترفع قيمة المنتج من (300% إلى 600%) بجهد بسيط.
ذات الطريق سلكته دول كثيرة قبلنا ونجحت،ففي المغرب أطلقت الحكومة برنامج “المقاول الذاتي” ومكنت أكثر من 300,000 أسرة من إنشاء ورش صغيرة لزيت الأرغان والتمور والجلود بإعفاء ضريبي لخمس سنوات، فتحولت قرى فقيرة إلى قرى مصدرة لأوروبا. وفي مصر حولت قرية “شبرا بلولة” زراعة الياسمين إلى صناعة عطور منزلية تصدر بـ 50 مليون دولار سنويََا. وفي الأردن دعمت الدولة صناعات المونة المنزلية وأوصلتها إلى أسواق الخليج عبر منصة تصدير واحدة.
وعلى المستوى الدولي، بدأت بنغلاديش عام (1978م) بـ (10 ألف) ماكينة خياطة منزلية فقط، واليوم هي ثاني أكبر مصدر للملابس في العالم بـ (45 مليار دولار). أما فيتنام فحولت (2 مليون) أسرة ريفية إلى وحدات لتجفيف الأسماك وتصنيع الأرز بقروض أقل من (500 دولار)، فارتفع دخل الريف (400%) خلال (10) سنوات.
إن أثر ذلك على السودان فسيكون مباشرََا وحاسمََا إذا انخرطت (100 ألف) أسرة فقط وأنتجت كل أسرة ما قيمته (300 دولار) شهريََا، فهذا يعني (30 مليون دولار) شهريََا تبقى داخل الاقتصاد، أي (360 مليون دولار) سنويََا، مع توفير أكثر من(300 ألف) فرصة عمل دون أن تبني الدولة مصنعََا واحدََا والأهم هو أن الأسرة المنتجة لن تحتاج بعدها لتنزح أو تعتمد على الإغاثة ولن يهاجر أبناؤها، فالإنتاج يخلق الاستقرار، والاستقرار يخلق النمو، والنمو يصنع النهضة.
لتحقيق هذا التحول لا نحتاج إلى خطط معقدة،فقط نحتاج إلى أربعة قرارات فاعلة. أولََا، إعفاء كامل لمدة (5) سنوات من الضرائب والجمارك والرسوم لكل آلة إنتاج صغيرة ولكل منتج تحويلي معد للتصدير. ثانيََا، ترخيص فوري من نافذة واحدة خلال (48) ساعة بدلََا من الدوران بين عدة مؤسسة. ثالثََا، تمويل أصغر حقيقي من (500 إلى 2,000 دولار) بضمان المنتج وليس العقار وبمرابحة لا تتجاوز (5%) للشباب والمرأة والأسر الفقيرة. رابعََا، إنشاء منصة وطنية للصادر تربط المنتج في كافة مناطق السودان بمشتر في أسواق الخليج وأوروبا وتتولى التعبئة والشحن.
إن نهضة السودان لا تحتاج إلى مصفاة بـ (5 مليار دولار) لتنطلق،يمكنها أن تبدأ بمعمل صابون صغير في الزقاق الخلفي للمنزل، وماكينة خياطة في حوش، ومجفف بصل في دكان… هكذا بدأ الآخرون، وهكذا يمكن للسودان أن يتحول من سوق استهلاكي كبير إلى ورشة إنتاج قارية، فبالإنتاج وحده نستعيد قرارنا ومنه نصل إلى النهضة المنشودة وبلادنا أهل لذلك فأرضها واعدة بالخيرات،هي كنز لم نستثمره بعد.