أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. بنيان على شفا جرف هار

 

المتأمل في النظامين الرأسمالي والاشتراكي يدرك أنهما وجهان لعملة واحدة وضعية، وإن اختلفت شعاراتهما،فالاشتراكية قالت بإلغاء الملكية الخاصة باسم العدالة، والرأسمالية قالت نقدس الملكية الخاصة باسم الحرية، وكلا النظامين أراد نزع الملكية الحقيقية من يد الخالق عز وجل وجعلها بيد الإنسان ليشرع كما يشاء، فكان ما حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

الله سبحانه وتعالى بين أصل المال الحلال وشرط بقاء العمران، فقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وقال تعالى في بيان علة الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]،حتى لا يتكدس المال في أيدي فئة قليلة من الأغنياء،ذلك ليتحقق التوازن الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمال في الإسلام ليس سلعة تلد سلعة،إنما جهد وعرق ومنفعة متبادلة. أما النظامان الوضعيان فقد بنيا على نفس الأصل المحرم وهو الربا والغنى الفاحش، فالرأسمالية جعلت الربا قلب اقتصادها في البنوك والرهون العقارية وصناديق الاستثمار التي تبيع البيت الواحد عشر مرات، والاشتراكية جعلت الغصب قلب اقتصادها حين صادرت أموال الناس بغير حق. وكلاهما أكل للمال بالباطل، وكلاهما وعد الله أهله بالمحق، فقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، والمحق هو الذهاب والانهيار ولو بعد حين.

من هنا نفهم أن مدنية أوروبا لم تبن بعرقها وحدها، بل بنيت بمال حرام نهب من المستعمرات، بدأ بتجارة الرقيق التي هي سبي حر وبيعه وهذا محرم في الشريعة الإسلامية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» [صحيح البخاري]. فهذا ثمن الحر الذي أكلته بنوك لندن وباريس هو أول لبنة في بنيانهم، ثم تلاه نهب الذهب والأرض والنفط، وكل ذلك سحت قال فيه الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42].

وقد ضرب الله مثل هذا البنيان فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 109]. فبنيان التقوى يقوم على العدل ورد الحقوق، وبنيان الجرف الهار يقوم على شفا ظلم وربا ونهب، فإذا جاءت متغيرات السوق أو هزة اقتصادية انهار، وهذا ما نراه اليوم في شوارع أوروبا بتواصل الإحتجاجات العنيفة، حيث يخرج أكثر من نصف مليون متظاهر في فرنسا وعشرات الآلاف في لشبونة ومدريد وبروكسل يصرخون من الإيجار والغذاء، لأن النظام الذي أسس على الربا لا يتحمل أزمة، فإذا ارتفع سعر الفائدة ارتفع الإيجار، وإذا تضخمت الأسعار بقيت الرواتب مكانها، لأن الربا يضاعف المال للغني وحده ويحق العبء على الفقير، وهذا عين ما نهى عنه الإسلام الذي قال فيه: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9].

الرأسمالية والاشتراكية سواء في أن كلتيهما تنهار بانهيار الاقتصاد لأنهما أنظمة مادية لا روح فيها ولا عدالة سماوية، فالاشتراكية انهارت حين عجزت عن توفير الخبز رغم شعارات العدالة، والرأسمالية تنهار اليوم حين عجزت عن توفير السكن رغم شعارات الحرية. ثم تأمل في سنة الله في الأجيال الجديدة التي نشأت في قلب أوروبا وغلب طبعها على تطبعها، فحين تزرع الظلم قرونََا عبر استعباد الآباء ونهب ثرواتهم لا تنتظر أن يخرج الأبناء مطيعين، فتلك سنة الله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]، لكن آثار الظلم تبقى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» [صحيح مسلم].

خلاصة القول إن الديمقراطية التي كرست الرأسمالية لم تكن حكم شعب،لكن كانت غطاء تشريعيََا لنظام ربوي قام على أموال محرمة من تجارة الرقيق ونهب المستعمرات، والله سبحانه وتعالى حكم أن كل مال حرام ممحوق وأن كل بنيان على شفا جرف هار منهار، فانهيارهم الاقتصادي اليوم هو تصديق لوعد المولى عز وجل، وما خروجهم محتجين إلا بداية تصدع ذلك البنيان الذي أسسوه على غير تقوى.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى