أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. هل النرجسية تصنعها الحرب؟.. نفسية الضحية حين تتحول إلى جلاد

 

الملاحظة التي يذكرها كثيرون في السودان اليوم عن تغير طباع من عاشوا الحرب وظهور سمات من الغطرسة والقسوة والكذب والاستغلال والحسد عند بعضهم،هي ظاهرة ناتجة عن الصدمة النفسية جراء معايشة مرارات الحرب وتعرف في الأدبيات النفسية باسم “النرجسية التفاعلية” أو النرجسية المكتسبة بعد الصدمة.

فالحرب لا تنال من الإنسان قتلََا وجراحََا في جسده فحسب ولكنها تفكك بنيته النفسية، فالإنسان الطبيعي يبني هويته على ثلاث ركائز: أنا آمن، أنا محترم، أنا قادر على التحكم في حياتي والحرب تهدم الثلاثة معََا في لحظة واحدة،فيجد الإنسان نفسه عاجزََا تمامََا أمام المعارك والإشتباكات والنزوح والإذلال وفقدان البيت والعمل، هذا العجز المطلق يترك جرحََا للأنا عميقا، أي جرحََا في صورة الذات وقيمتها والعقل كي ينجو من هذا الجرح، يلجأ إلى آليات دفاعية بدائية، أهمها التعويض النرجسي.

بدلََا من الاعتراف بالألم والخوف، يبني الشخص قشرة صلبة من العظمة الزائفة، يصبح متغطرسََا لأنه في داخله يشعر بمهانة شديدة، وقاسيََا وساديََا لأنه ذاق القسوة بلا رحمة، وكاذبََا لأنه تعلم في الحرب أن الحقيقة لا تحمي أحدََا وأن الكذب وسيلة نجاة، وحسودََا ومستغلََا لأنه فقد كل شيء ويرى في استغلال الآخرين استردادََا لحقه المسلوب. هذه ليست شخصية نرجسية أصلية ولدت معه،إنما هي قناع نجاة مؤقت لبسه ليستمر.

علم النفس يميز هنا بين نوعين، هناك الشخصية النرجسية الاضطرابية الأصلية التي كانت موجودة بالفعل قبل الحرب وتتضخم أعراضها أثناءها وهناك السمات النرجسية المكتسبة بعد الصدمة وهي الأكثر شيوعََا بين ضحايا الحروب،الدراسات على محاربي فيتنام وناجيي حروب البلقان ورواندا وسوريا أظهرت أن نسبة عالية منهم سجلوا ارتفاعََا مؤقتََا في مقاييس النرجسية المرضية والأنانية والعدوانية، خاصة لدى من عاشوا فترات طويلة في مناطق سيطرة الميليشيات حيث البقاء للأقوى، وحيث يكافأ الكذب والخداع والولاء العنيف.

إن من أهم الآليات المفسرة لذلك هي اضطراب ما بعد الصدمة نفسه،فالمصاب به يعيش في حالة يقظة مفرطة وشك دائم في نوايا الآخرين، فيفسر أي نقد على أنه تهديد، وأي نجاح للآخرين على أنه انتقاص منه، فيلجأ للهجوم قبل أن يهاجم،كما أن ما يسمى بإصابة الأخلاق، حين يرى الإنسان أو يشارك في أفعال تتناقض مع قيمه كالنهب أو الإذلال، يدفعه لتبرير فعله عبر تضخيم ذاته وتحقير الضحية، وهي سمة نرجسية كلاسيكية.

لكن من الخطأ تعميم هذه السمات على كل من عاش الحرب، فالصدمة نفسها تنتج مسارين متناقضين. مسار يقود إلى النرجسية الدفاعية، ومسار آخر يقود إلى ما يسمى بالنمو ما بعد الصدمة، حيث يصبح الإنسان أكثر تواضعََا وتعاطفََا وإحساسََا بقيمة الحياة. الذي يحدد المسار هنا وجود شبكة دعم اجتماعي، والاعتراف بالألم بدلََا من إنكاره، والقدرة على سرد القصة بصدق، وإعادة الاندماج في عمل منتج وقيم أخلاقية واضحة.

هنا تبرز ضرورة إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي لمن عايش ويلات الحرب كأولوية وطنية لا تقل عن إعادة الإعمار المادي، فمن عاش تحت القصف والنزوح والفقد لا يكفي أن نمنحه بيتََا أو وظيفة، بل يحتاج برنامجا متكاملََا يبدأ بالتفريغ النفسي الآمن والاعتراف بالصدمة، مرورََا بجلسات علاجية لإعادة بناء صورة الذات المحطمة وتفكيك آليات الدفاع النرجسية، وانتهاء بإعادة الدمج المجتمعي عبر العمل الجماعي والمساءلة التصالحية،تجارب رواندا وسيراليون أثبتت أن إهمال هذا التأهيل يحوّل ضحايا الأمس إلى جلادي اليوم، بينما الاستثمار فيه يحوّلهم إلى أكثر الناس حرصََا على السلم. فإعادة التأهيل تصبح صمام أمان لمنع توريث الحرب في سلوك الأفراد.

لذلك فإن ما نراه اليوم في بعض من عاشوا حرب السودان ليس دليلا على سوء أخلاقهم الأصلي،إنما هو جرح مفتوح لم يعالج. والمجتمع إذا قابل هذا الجرح بالوصم والاتهام بأنه نرجسي، فإنه يعمق الجرح ويثبت القناع،أما إذا وفر له مساحات آمنة للاعتراف والمساءلة والعمل الجماعي، فإن كثيرََا من هذه الأقنعة تسقط تلقائيََا. فالنرجسية التي تصنعها الحرب هي صرخة ذات مجروحة تريد أن تقول أنا ما زلت موجودََا ومهمومََا، حتى لو قالتها بطريقة مؤذية للآخرين.

هذا المقال تفسير نفسي عام لظاهرة اجتماعية ملاحظة، ولا يمثل تشخيصََا إكلينيكيََا لأفراد، ويستند إلى مرجعيات الصدمة والنرجسية المذكورة في الأدبيات النفسية غير السريرية،هو دعوة لجهات الإختصاص بضرورة إيلاء أمر التأهيل النفسي لمن حضروا وعايشوا لحظات الحرب العصيبة إهتمامََا كبيرََا وأولوية قصوى،فالحاجة ماسة لدراسة ميدانية سودانية مقننة تخرج بنتائج وتوصيات علمية رصينة تكون أساسََا لمرحلة التعافي المنشودة لكافة أهل السودان،لينطلقوا لنهضة بلادهم بوعي ونفوس متحللة من عقدها التي تقعدها عن تحقيق أهدافها.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى