الثروة التي تنتظر العقل

*ليست ولاية النيل الأبيض مجرد رقعة جغرافية تتوسط خريطة السودان، ولا مجرد امتداد زراعي تحيط به المياه وتنتشر في أرجائه المراعي والقطعان، إنها واحدة من المناطق التي تختزن إمكانات اقتصادية كبيرة، وتملك من المقومات ما يؤهلها لتكون مركزا للإنتاج والصناعة والتجارة، إذا ما أحسنت استثمار مواردها وأدارت فرصها بعقلية اقتصادية تتجاوز حدود النشاط التقليدي.
*إن الموقع الاستراتيجي الذي يربط شمال السودان بجنوبه، والإطلالة على النيل الأبيض، والقرب من دولة جنوب السودان والأسواق الداخلية، إلى جانب ميناء كوستي النهري ومشروع الميناء البري، كلها عناصر تمنح الولاية ميزة تنافسية لا تتوافر بالقدر نفسه لكثير من الولايات الأخرى.
*لكن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش ليس ماذا تملك النيل الأبيض؟ وإنما ماذا فعلت بما تملك؟ وكيف يمكن تحويل هذه الثروات إلى إنتاج حقيقي، وصناعات ذات قيمة مضافة، وفرص عمل، وعائدات من الصادرات؟
*حسنا.. الولاية تمتلك أكثر من 6.5 مليون فدان قابلة للاستغلال الزراعي، وفق البيانات الاستثمارية المتاحة، وتستهدف خطتها للموسم الشتوي 2026-2027 زراعة أكثر من 191 ألف فدان، بينها 120 ألف فدان للقمح. وهي أرقام تعكس حجم الفرصة، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال التمويل والري والطاقة والتسويق.
ومن هنا تبرز أهمية مشروعات الري والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية، إلى جانب تأهيل المشروعات الزراعية القائمة، مثل مشروع الطويلة الزراعي بمحلية قلي، الذي يستهدف إنتاج التقاوي على مساحة 1500 فدان، ويخدم 14 قرية. فمثل هذه المشروعات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أنشطة زراعية محدودة، بل نواة لمنظومة إنتاج يمكن أن تتوسع وتوفر مدخلات الإنتاج وتدعم المجتمعات المحلية.
* أن الزراعة وحدها لا تصنع النهضة الاقتصادية المنشودة. فالمحصول الذي يغادر الولاية في صورته الخام يحمل معه جزءا كبيرا من القيمة الاقتصادية التي كان يمكن أن تبقى داخلها. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ حين تتحول محاصيل السمسم والفول السوداني والقمح والطماطم إلى زيوت وأغذية وأعلاف ومنتجات مصنعة قابلة للمنافسة في الأسواق.
*وهنا تبرز كوستي بوصفها مركزا مرشحا لقيادة التحول الصناعي، بما تضمه من مشروعات قائمة ومعلنة، من بينها مصانع البلاستيك وتعبئة المواد الغذائية ومجمعات صناعة الصادر، فضلا عن المشروعات الصناعية الكبرى في القطينة وربك، وفي مقدمتها مشروع سكر النيل الأبيض.
*حسنا.. ان الثروة الحيوانية قصة اقتصادية أخرى لا تقل أهمية. فقد عزز انتقال أعداد من القطعان من الولايات المتأثرة بالحرب أهمية النيل الأبيض في خريطة الإنتاج الحيواني، وفتح أمامها فرصة لتطوير هذا القطاع من نشاط رعوي تقليدي إلى صناعة متكاملة تشمل الإنتاج والتسمين والتحصين والخدمات البيطرية والمسالخ الحديثة وتصنيع اللحوم والجلود.
وتتضمن خطة الولاية للفترة 2026-2030 تنفيذ 30 مشروعا في القطاع، من بينها إنشاء أربع مدن للإنتاج الحيواني. وهي خطوة تستحق الاهتمام، شريطة أن تقوم على دراسات اقتصادية واضحة، وأن ترتبط بمراكز تجميع وتسويق ومرافق تصنيع ومواصفات صحية تفتح أبواب الأسواق الخارجية.
وفي ملف الصادر، تملك الولاية ميزة إضافية تتمثل في موقع كوستي التجاري، والتوجه نحو تطوير بورصة للصادرات، فضلاً عن المؤشرات التي تعكس حضورها في إنتاج الصمغ العربي والسمسم. وقد مثل تصدير شحنة أولى من الصمغ العربي والسمسم الأبيض إلى عدد من الأسواق الأوروبية والعربية خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
لكن التحدي لا يقف عند تصدير الشحنات الأولى، وإنما في بناء قدرة مستدامة على الوفاء بالطلبيات الخارجية، وضمان الجودة والمواصفات، وتوفير كميات منتظمة، وتطوير خدمات الفرز والتخزين والتعبئة. فالأسواق العالمية لا تكتفي بوفرة المنتج، بل تبحث عن الجودة والاستمرارية والقدرة على المنافسة.
*ولا يمكن الحديث عن الاستثمار بمعزل عن البنية التحتية. فالطرق والموانئ والطاقة والمياه ليست خدمات مساندة فحسب، وإنما هي جزء أصيل من تكلفة الإنتاج والقدرة التنافسية. ومن هنا تكتسب مشروعات طريق كوستي-الزليط وميناء كوستي البري، والطرق الداخلية، وشبكات المياه والكهرباء، أهمية تتجاوز حدود الخدمات إلى تأسيس بيئة اقتصادية جاذبة.
*عموما النيل الأبيض بحاجة إلى رؤية استثمارية تحدد أولوياتها بوضوح، وتمنح الصناعات التحويلية المرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية أولوية متقدمة، وتشجع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتفتح المجال أمام الاستثمار في الطاقة الشمسية والري الحديث والتخزين والنقل والتصنيع.
وليس المطلوب أن تبدأ الولاية من الصفر، فهناك مشروعات قائمة، وأراضٍ منتجة، وخبرات محلية، وموقع تجاري مؤثر. المطلوب هو الربط بين هذه العناصر في منظومة اقتصادية واحدة، بدلا من التعامل معها باعتبارها ملفات متفرقة.
*ذلك هو الفارق بين ولاية تملك الموارد وولاية تصنع الثروة. وبين اقتصاد يكتفي بالإنتاج الأولي واقتصاد يضيف القيمة ويخلق الوظائف ويفتح أسواقا جديدة.
*ان الرهان على النيل الأبيض ليس على وفرة الأرض والمياه والموارد وحدها، بل على إرادة تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع اقتصادي متكامل. وعندها لن تكون الولاية مجرد سلة غذاء للسودان، بل يمكن أن تصبح أحد مراكز إنتاجه وتصنيعه وتجارته الإقليمية.