*عبدالقادر دقاش يكتب..الأوهام..تنسي وتؤنس*

يضع أستاذ (التاج) كل شيء في معمل الوزن والحساب لأنه يؤمن بالعلم ولا غرابة، فقد تخرج في كلية العلوم وعمل أستاذا للفيزياء..لكن وضعه أوهام الناس في منهج العلم جعله ذا عقل شاك و قلب بلا يقين. أو هكذا رأيناه عندما انتشرت ظاهرة (الصوفة) التي توجد في المصاحف، ووجودها يدل على أن شيئا ما، سيحدث! كما جاء في الرواية التي ساقها الناس آنذاك.
دخل أستاذ التاج، الصف الأول (بيروني) وسمع ما تبقى من جدل الطلاب حول (الصوفة)، وربما سمع ذلك أيضا في ميس الأساتذة. وقبل أن يدخل إلى الدرس الجديد، قال لنا إن ما يدور حول (الصوفة) عبارة عن أوهام، وخزعبلات، وكلام فارغ..وقال إن الورق الصقيل يجذب الشعر من رؤوسنا..لكن طالبا أصلع، قال له، لكن يا أستاذ كل المصاحف التي فتحناها وجدنا فيها (الصوفة)، ضحك أستاذ التاج، وقال لنا: يا لكم من أغبياء نريد أن نرفعكم بالعلم درجات لكنكم تصرون على الإخلاد في الأرض، والإيمان بأوهام وخرافات العامة…وقال لذلك الأصلع، اخرج إليَّ وسأبين لكم ب(بالتجربة والبرهان) إن ما تقولونه مجرد أوهام. ثم طلب من طالب آخر أن يذهب إلى المكتبة ويأتي بمصحف جديد. وجاء الطالب بالمصحف فوقف الأستاذ وطلب من ذلك الأصلع أن يفتح المصحف، وفعل الأصلع ما طلب منه، ودهشنا عندما رأينا (الصوفة) سوداء لا شية فيها.. وكبر الأصلع وهلل، وهتف: هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه…
وتأتي (الأوهام) عاما وتغيب أعواما..حتى إذا ما أدرك الناس عصر الإنترنت والفضاء المفتوح، والمعرفة اللامحدودة. ظن الناس أن الاوهام ستموت لكنها زادت وسهل وصولها وانتشارها وتعاطيها..
وظاهرة بنت الشمالية التي تعالج الناس بالماء، سبقتها بنت ظهرت في جنوب كردفان تعالج بالتراب..وقد كان لي قريب أنهكه المرض وحار الأطباء في علاجه..وعندما ظهرت تلك البنت وجاءه الناس من كل فج وصوب يحلفون بالله أن ما كان بهم من مرض أعيا الطبيب المداويا، وجدوا له علاجا عند تلك البنت، طلب مني أن أذهب وآتيه بتراب منها. وكنت وقتها مسكونا بحصص أستاذ التاج، لكني لم أفصح له بما في نفسي، لكنه أحس ما يدور بعقلي، فخرجت من فمه كلمات فاترة كأنما أصابها هي الأخرى المرض والأعياء، قال: (الغرقان يتعلق بي قشة). فأدركت (حينها) ما يكابده ويعانيه ويقاسية، فركبت البصات واللواري ومشيت كداري إلى أن وصلت (عشاء) إلى القرية التي كانت فيها هذه البنت فرأيت الباعة المتجولين، والعربات وأصحاب الحاجات القادمين من كل مكان، وانتظرت طويلا حتى حظيت بالدخول ووجدت حفرة كبيرة يأخذ منها الناس التراب يأكلونه ويستنشقونه ويمسحونه على وجوههم ويتمردغون عليه..فسخرت من هذا كله، وكانت البنت التي تداوي (معاقة) فنظرت إليها واستدعيت كل سخريات أستاذ (التاج) وقلت في نفسي لماذا لا تبدأ بنفسها. ألقيت ما معي من نقود، وأخذت حفنة من التراب وخرجت. لكن البنت نادتني وأمرتني أن آخذ قروشي، وقالت لي: العلاج ما لي..ولا لي زولك الماشي عليه..ثم ابتسمت وقالت ودعتك الله. وعندما رجعت إلى حيث قريبي وجدت صيوان العزاء منصوبا أمام البيت..!
وتقصيت أخبار الفتاة فعرفت أنها فارقت الحياة…
تألمت وقاسيت وتمنيت لو لم استدع حقائق أستاذ التاج الباردة الصارمة في ذلك الوقت، وأعيش في الأوهام، لأن الأوهام وحدها ما يجعل آلام الحياة الواقعية محتملة.