*عبدالقادر دقاش يكتب.. فساد الوداد*

عندما يطلب منك أحد من الناس أن تقول رأيك (صراحة)، في أمر يفعله أو شيء يملكه، أو حبيب يواده، فهو يريدك أن تجامله، وأن تثني وتوافق على اختياره وما استقر عليه قراره، لا أن تبدي رأيا ينقض ما فعل أو ينقص ما امتلك أو يجرح ما انكشف من خاطر تجاه من يحب ويود ويوالي، لأنه لا يرى فيك حال إبداء رأيك إلا حسودا حاقدا..وأقل ما يطوف بخاطره: (الما بتلحقوا جدعوا). فالرأي لا يكون مع الود وإن سلك الرأي واديا سلك الود واديا مغايرا. ..وأمير الشعر أحمد شوقي لم يقحم هذه الجملة (الخطيرة) اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، في أي واحدة من قصائده المجيدة التي يزخر بها ديوانه، ولكنه جاء بها في إحدي مسرحياته الشعرية التي ابتدعها خلافا للسابقين..والمسرح مجال للتمثيل، وما يصلح للتمثيل لا يصلح للواقع..يقول شوقي في مسرحية مجنون ليلى:
ما الذي أضحك من الظبيات العامرية
أ لأني أنا شيعي وليلى أموية
اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
وابن ذريح كما يصفه شوقي (شيعي) وليلى من البيت الأموي، والتاريخ يشهد على الوقائع الدموية بين الطرفين..والجمع بينهما في الحب أمر صعب و شاق، وفي السياسة أصعب وأشق، وبخاصة السياسة القائمة على العقائد الصلبة والأفكار الراسخة والحقائق المطلقة، فهي ترى في الود (إعطاء الدنية)..وقد قال أحد وجهاء (المراغنة) من قبل: لو دخل أهل الإنقاذ الجنة لسألنا الله أن يدخلنا جهنم؟! فلا شيء يجمعنا..وعندما نقض غزل الإسلاميين وانتثرت الكنانة بين المنشية والقصر، كان بعض (أهل الود) يظنون أن الأمر لا يعدو أن يكون مسرحية أخرى،من شاكلة الذهاب إلى القصر رئيسا وإلى السجن حبيسا، لذلك سأل أحد شباب الزمن الجميل الترابي قائلا: هل ما تقومون به مسرحية أيضا..فانتهره الشيخ وصاح غاضبا: إنه اختلاف مبادئ..وكذلك فعل عبد الله حسن أحمد والذين في المنصة حول الشيخ..حتى ظن الشاب، أن سيتخطفه الآخرون من الشباب الذين يرون أنهم أهل المبادئ الخالصة، والآخرون أهل الموائد والمصالح ولعاعة الدنيا..وظل الخلاف قائما حتى مجيء سبتمبر..ليكشف عمق الخلافات بين كل الاتجاهات المتعاكسة والمتحالفة..وأن آراء الساسة لا تبعث على الود حتى في مسرح شوقي الافتراضي..
ومن طريف اختلاف أهل الفن ما روي عن كمال ترباس عندما وصف في حالة (هجران) أن أشعار (المرهف) التجاني حاج موسى لا تصلح للغناء لأنها تبعث الحزن والأسى والألم، وقال إنه غنى في أحد بيوت الأفراح (أمي يا دار السلام) فبكت العروس وبكى العريس وابكوا من في الحفل أجمعين، لأن والدة العريس المرحومة تدعى دار السلام..وانقلب الفرح إلى حزن؟ وعندما بلغ ذلك الشاعر، منع الشاعر كل الأغنيات الباعثة للحزن وللفرح معا..وبث شكواه قاعات المحاكم!