أخبار عاجلةمقالات

*جعفر باعو يكتب..ورحل صاحب العمامة الحاضرة*

من الواقع

مدخل اول

*أماتَ أَبوك؟ ضَلالٌ! أنا لا يموتُ أبي ففي البيت منه روائحُ ربٍّ.. وذكرى نَبي هُنَا رُكْنُهُ.. تلكَ أشياؤهُ تَفَتَّقُ عن ألف غُصنٍ صبي جريدتُه.. تَبْغُهُ.. مُتَّكَاهُ كأنَّ أبي –بَعْدُ– لم يذهَبِ وصحنُ الرمادِ.. وفنجانُهُ على حالهِ.

نزار قباني

هذا المدخل هو شعور كل من يري والده امامه وهو لا يراه ،مودعاَ هذى الدنيا الفانية، وهكذا كان حال اخوتي الذي لم تلدهم امي “النذير، ابوبكر، ياسر، مني، ام سلمه”.

مدخل ثان

*رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلم وصي على الجار حتى ظنا جبريل –وليس كل الظن اثم- انه سيورثه،ونحمد الله كثيراً ونشكر فضله ان جعلنا في حي القوز “الشعبي” والذي يتوسط العاصمة ،جيرانا نعتز بهم ونفاخر بهم امام عزوتنا من الاهل والعشيرة،كُنا محظوظين ان يكون لنا اكثر من اب وام في شارع واحد، لا نشعر معهم بالوحشة ولا الخوف ، ان جُعنا اكلنا في اي منزل وان غالبنا النعاس نمنا ونحن مطمئنين.

*ولكن..آها من لكن هذه ، رحل بعضهم ،والاسبوع المنصرم لحق بهم عمنا الياس حامد عيدابي وكأنه اشتاق الي رؤية جيرانه ورفقاء الصحبة الطيبة عمنا السراج الشمباتي والي طيبة عمنا عوض عبدالله والي هدوء والدنا عليهم اجمعين رحمة من الله وكأن روحه تلهفت لرؤية شقيقاته الراحلات قبله “فاطمة وحرم المدينة وأمنة” رحل عمنا الياس الرجل الصابر والمحتسب لكل افعال حياته، ونشهد الله اننا لم نري منه الا كل الخير ويكفي انه صاحب الابتسامة الهادئة والنظرة الثاقبة ، وهو الذي لم نسمع له صوتاً يعلوا مخاصماً او غضباناً.

*رحل عمنا الياس في صمت وهدوء ووجه يطل اشراقاً ونورا، بعد ايام عديدة صبر فيه على مرضه  ليترك لنا اشياؤه كما هي فاعتصر القلب حزناً على فراقه والعقل دعاء لروحه الطاهرة ان شاء الله،رحل ليترك تؤام روحه خضر  حزينأ على فراقه فهو كان ونيسه ورفيقه في الدنيا ونسأل الله أن يقويه ويصبره على فراق تؤامه،وكذلك شقيقه د.النعيم وشقيقته علوية

*حينما كنا صغاراً، جاء عمنا الياس “له الرحمة والمغفرة” قادماً من رحلة غربة في الجماهيرية الليبية، وكان حينئذ يشرف على تقويم ابنائه الخال عبدالمحمود،والي جواره الخال عمر”له الرحمة والمغفرة” والخال مربي الاجيال الاستاذ عبدالسلام او “الفكي “كما يُعرف في العديد من الأوساط نسال  الله له والخال عبدالمحمود دوام الصحة والعافية، حينما كنا نري الراحل عن الدنيا “عمنا الياس” وهو يحادث اي من  اصهاره، تعتقد جازماً بانه شقيقا له وليس نسيب، وهكذا كانت حياة عمنا الياس جلها يجد الاحترام عند النسيب..والغريب..والقريب، يجد الاحترام والتقدير من الاهل والمعارف بقرية الفرحسين التى تقبع عند الضفة الغربية لمدينة شندي وجارتها كلي وكل قري المتمة.

*لذا كان رحيله قاسياً،جدا ليس على أقربائه فقط بل حتى اصهاره ذرفوا الدموع خديجة شقيقة زوجته امنا “ام الحسن” تركت عملها في شرقنا الحبيب وهي متألمة على فراق أخ لها قبل “نسيب” وكذلك كان الحال لشقيقاتها زينب وصفية اللتين حزنتا على فقد رجل كان بمثابة أخ لهم جميعهم وليس مجرد زوج شقيقتهم، لذا عند رحيله بدوا وكأنهم يحملونه وصايا الشوق لأشقائهم  الراحلين عن الدنيا قبل سنوات “عمر و خادمة الله ابراهيم”، عليهما الرحمة والمغفرة،اما زوجات أبنائه ” انصاف عوض وامل صلاح ” فكان الحزن هو ملمحهما والدموع هي سلواهما وكيف لاتحزنان وهو الذي يعاملهن كبناته التوأم -مني وام سلمة-لا يفرق بينهما وفي جدران ذاكرتهما ستظل كل تلك المؤدة الاجتماعية وستكون جلسات الفطور الجامع للاسرة الصغيرة يوم الجمعة في كل اسبوع حاضره على جدران الذاكرة زمنا طويلا.

*والذين لم يكونوا يعلمون مكانة عمنا الياس في النفوس فقد عرفوها عند تشييع الجثمان حيث زرف الجميع الدموع على رحيله واعتصر القلوب حزناً والماً على فراقه وكيف لا وهو صاحب اليد الطويلة في الافراح والاتراح وهو صاحب الرجل الواصلة للمرضي وعند تشييع الموتي و وزيارة الاحياء في القوز والحلة الجديدة حيث الاهل والجيران والي كل اهل قرية الفرحسين في الخرطوم ،ويمتد تواصله الي  ام مغد والنوبة والجزيرة الشبيلية  ومدني وكل قري الجزيرة وعطبرة وبورتسودان  والامتداد واركويت و…و….وقائمة طويلة من صلة الارحام التى لم ينقطع عنها يوماً.

*كانت عمامته حاضره وجلبابه الي جواره ليكون اول الحاضرين في الملمات، وكان يقتطع من ساعات عمله ليقدم عمل الخير بحرفته التى اتقنها في المدارس والمساجد دون ان يعلم الكثيرين ونشهد الله اننا لم نراه يجادل في صنعته ولم يخادع فيها، بل كان يتقبل جهد عرقه وابتسامته حاضره و إن كان مظلوماً.

*رحل عمنا الياس ولن تنساه الذاكرة ، لما شهدناه منه من طيبه معشر ووفاء جار وقلب اب حنون واخ عطوف،بارا باهله واصهاره وجيرانه واهل بيته.

*رحل عن دنيانا ولكنه سيظل خالدا في عقول أحفاده “محمد وعبدالعزيز”،بعد أن تمضي السنون و سيذكرون  زيارات الطفولة “لجدهم” وحينها سيرفعون الأكف دعاء له بالرحمة والمغفرة،وهم يحملون جينات الوصل والحفاظ على الرحم كما كان يفعل اباهما من قبلهما  .

*نسأل الله ان يبدل عمنا الياس داراً خيراً من داره واهلاً خيراً من اهله وان يغفر له ويرحمه ويحسن اليه ويسكنه الفردوس الاعلي مع الشهداء والصديقين وحسن اولئك رفيقا، ولاحول ولاقوة الا بالله وانا لله وانا اليه رجعون.

نشر في اليوم التالي ٨ يونيو ٢٠٢٢م

 

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى