*عبدالقادر دقاش يكتب..حكاية ود ود التومة*

وقف الناس أمام الجامع، ينظرون إلى المئذنة، بعد أن جفت عيون السماء عن الهطول. وخرجت الشمس من وراء السحب، ساطعة زاهية. وصاحت الديكة، وكأنها أدركت فجرا آخر، في ذات اليوم.
كبر بعض الواقفين وزغردت بعض النسوة بينهن أمونة بنت الشيخ سماعين. لم تتحرك الأرض من تحت المئذنة ولم تنهار كما تنبأ بذلك الشيخ سماعين أول عمنول، عندما وضع ود نفيسة، وهو الولد الوحيد لود التومة عدو الشيخ سماعين -والذي رحل في عام مشابه لهذه الأعوام التي كثرت فيها النبوءات والكرامات والمصائب والكوارث- حجر الأساس للجامع الذي يقع صعيد القرية، في موج من الرمال.
لهذا الجامع حكايات عديدة وروايات مختلفة، وكثير من الأساطير. إلا أن الرواية الأكثر رسوخا هي ما دار على ألسنة النسوة اللائي رأين ود نفسية يتقدم بثبات ليرفع الأحجار التي جلبت من جبل الداير وجبل الأولياء لإقامة هذا الجامع الذي كلما اكتمل بناؤه انهار من جهة المنبر وانهارت معه المئذنة، التي يفترض أن يراها أهالي القرى المجاورة. وكان قول شيخ سماعين في إحدى مواعظه، إن بيوت الله لن تنهار إذا وضع أساسها رجال صالحون لم يقترفوا أي خطايا في حياتهم. وفي اليوم الذي وقف فيه شيخ سماعين ينادي في شباب القرية أن يتقدم من لم يقترف خطيئة في حياته لوضع أساس الجامع، لم يتقدم أحد، لأن الشاب الكاذب سيناله عذاب بئيس، كما قال شيخ سماعين، الذي أراد أن يستأثر هو وأبناؤه بالدين والدنيا.
وسط دهشة كثير من النسوة اللائي تهامسن دون الجهر، شق ود نفيسة جموع الحاضرين. وكادت تصدر صرخة من أمونة بنت الشيخ سماعين التي كانت تختلس النظر من خلال فتحة صغيرة من التوب الذي لفته بإتقان ووقار حول رأسها. والتي روت على لسانها بعض النسوة، على غير استحياء، قولها، إن ود نفيسة الذي بدا غبيا و أحمق في نظر أبيها، يعرف في بعض الأمور بقدر ما يعرف أبوها، وأكثر…مما لا يعرفه أحد من الحاضرين إلا هي و ود نفسية المسخوط !