*د.محمد بشير عبادي يكتب..خليك طبيعي*

شهدت القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر نهضة علمية شاملة، تنوعت فيها الأبحاث والتجارب لتشمل مختلف فروع العلم ولتؤدي إلى إختراعات وإكتشافات مهمة كانت السبب المباشر في قيام الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر وقد أدت هذه الثورة إلى إرتفاع غير مسبوق في معدل النمو السكاني وإرتفاع مستوى المعيشة للفرد وبرزت أنماط حياتية جديدة قوامها الصناعة، إذ ظهرت الصنعة في كل شئ من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وعرف الناس المأكولات المعلبة والوجبات السريعة تلبية لحاجة الناس بعد أن زادت سرعة إيقاع حياتهم، فلا مجال للوجبات التقليدية الطازجة والجلوس بالساعات لنضجها وتناولها، بما عرف بثقافة ال”Take away” ،كما عرف الناس الملبوسات المصنوعة من مشتقات البترول كالنايلون والحرير الاصطناعي، كل شئ صار مصنوعا مصنوعا منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا.
إن أكبر تأثير للثورة الصناعية هو تحول الإنسان نفسه لآلة تعمل للإنتاج، تستحلب فيها جهوده الفكرية والبدنية دون مراعاة لإنسانيته التي قوامها الأعصاب والعاطفة.. إستغلال جهود الإنسان بهذه الصورة البشعة لأجل الوصول لأقصى طاقة للإنتاج، بلا شك سيؤثر على سلوكه، فظهر نمط آخر للحياة الإنسانية، ألا وهو نمط السلوك المصطنع بما عرف ب”الاتيكيت” وهو فن شاع عقب الثورة الصناعية، فصار الحديث بحساب والتعامل مع الآخر بأداء تمثيلي لا صدق فيه ولا عفوية، مثل إبتسامة النادل في المطعم أو المضيفة في رحلة جوية،فالصنعة صارت في كل شئ محسوس أو معنوي.
تطور الأمر إلى ما يعرف اليوم بلغة الجسد وهي غير الكلام المنطوق وإنما ما توحي به أعضاء الجسم بحركاته المختلفة وهنا تدخل الصنعة من أوسع أبوابها، فيكفي الجبان أن يجلس وهو قائم الظهر ليوحي أنه ذو شخصية قوية ويكفي المتوتر القلق ألا يحرك ويشبك أصابع يديه وألا يرمش عينيه كثيرا ليظهر كأنه مطمئن ثابت وهكذا في كل إيحاءات لغة الجسد، لتختفي المواقف الصادقة التي تأتي عفو خاطر وليظهر الناس بأقنعة زائفة تخفي نفوسا مريضة أو كسيرة أو العكس.
الآن بعد كل هذه المظاهر الحياتية المصنوعة، نجد أن العالم قد مل هذا الوضع البعيد عن الفطرة الإنسانية وصارت الأشياء الطبيعية مرغوبة بل تطلب بغالي الثمن، فمن منا لا يشتهي فاكهة طبيعية يحس بحلاوة طعمها وزكاء رائحتها، من منا لا يشتاق للحديث مع صادق صدوق لا يكلفه عناء قراءة تعابيره وسبر أغواره بتحليل لغة جسده.
ذكر لنا مرة الراحل البروفيسور عبد القادر محمد عبد القادر عليه رحمة الله وهو خبير التغذية المعروف،أنه: “إذا كانت حبة الطماطم تباع في أسواق ” لندن” بجنيه إسترليني، فيجب بيع حبة الطماطم المزروعة في” جروف توتي” بخمسة جنيهات لأنها طبيعية، فالجروف تتجدد تربتها سنويا بسبب فيضان النيل، فلا حاجة لمواد كيميائية مسرطنة، مالم يذكره البروف أن إنسان السودان بقيمه النبيلة يقدم أنموذجا للانسان “الطبيعي” الذي لم تؤثر عليه الثورة الصناعية كثيرا وهي التي جردت الناس من حولنا من عواطفهم وأحالت قلوبهم إلى صخور صماء، بل أشد قسوة وابعدتهم عن فطرتهم السوية، (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد:11]، فقد خلقنا الله أسوياء في أحسن تقويم ولكنا بعدنا بأنفسنا طواعية عن هذا الخلق القويم بتلك المساحيق المادية والمعنوية التي وضعناها على وجوهنا وكذلك قلوبنا.
فهل يلتقط أهل السودان القفاز بتفجير ثورة “طبيعية” يكون لنا فيها الريادة بإعادة العالم إلى طبيعته بإنتاجنا للمواد الطبيعية بما حبانا الله من ثروات وأرض بكر وكذلك بإنتاج السلوك القويم، بما نملك من قيم أساسها الدين وكريم عادات هي الأقرب لفطرة الإنسان، هذا ليس على الله ببعيد، فدولة “كوش” حكمت العالم في يوم ما وكان أهلها يدينون بالحنيفية كما أشار بذلك بعض علماء التاريخ.