أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة الثلاثون)

هيبة المسيد
■ لم يكن سكون الأصيل في “طيبة الشيخ عبد الباقي” كعهده، فقد شقّ صمت الأرض هديرُ محركاتٍ غريبة لم تألفها طرقاتنا الترابية؛ سبعُ عربات دفع رباعي كشرت عن أنيابها وهي تقتحم صدر القرية، تتقدمها عربة تحمل مدفعاً ثنائياً، وفي الخلف عربة أخرى مدججة بمدفع رباعي يوحي بموتٍ قادم، ويتوسط الموكب عربة فارهة بدت في المشهد وكأنها “جنازة” منمقة تجر خلفها الفزع، وزاد الوجل تحليق الطيران الذي كان يمزق صمت القرية بين الحين والآخر.
■ توقف الرتل العسكري عند حافة الملعب الرياضي من الناحية الشرقية الجنوبية، وفي تلك اللحظة تجمد الزمن؛ الكرة التي كانت تتقاذفها أقدام الشباب سكنت، والأنفاسُ حُبست حين ترجلت الشخصية المهمة من العربة الفارهة، ليتضح أن القادم هو “أبوعاقلة كيكل”، قائد المليشيا الأول في الجزيرة، الذي جاء يطأ (أرض طيبة) بخيلاء وهو متوهط في سرج القوة المفرطة.
■ بسماجة السياسي الذي يرتدي البدلة العسكرية قسراً، تقدم كيكل نحو اللاعبين يصافحهم بابتسامة صفراء لم تنجح في مواراة ملامح الغدر، وأعلن وسط ذهول الناس عن تبرعه للدورة الرياضية، ثم ألقى خطاباً سريعاً محتشداً بعبارات “الديمقراطية” المزعومة، مدعياً أنه جاء لحماية المواطنين، وهي كلمات ماسخة كانت تقع على المسامع كوقع الرصاص، قبل أن يتوجه مباشرة صوب “المسيد” وهو (متنشي) بسلاحه وحرسه.
■ كانت الطريق إلى مسيد الشيخ ممهدة بخطوات قادة المليشيا الذين توافدوا تباعاً؛ من كيكل إلى البيشي وقجة، كلهم طرقوا باب الشيخ طلباً لـ “الرضا والمباركة”، أو بحثاً عن غطاء يغسل دماء الضحايا، فبات المسيد وجهة لهؤلاء الأوباش الذين يظنون أن البركة تُنال بالتقرب من أهل الله، بينما أيديهم لا تزال (ملطخة) بدماء الأبرياء والغلابة.
■ انتهج الشيخ في تلك الأيام سياسةً حكيمة، حفظت للقرية الروحية هيبتها وسط غابة السلاح، فقد انتزع الشيخ تأميناً خاصاً فرضته الشرطة العسكرية للمليشيا بقيادة “عزام كيكل”، ولم يكن تأميناً ناعماً، بل كان حازماً بالضرب والاعتقال لكل (شفشاف) تسول له نفسه الاقتراب من حدود طيبة، مما جعل الأوباش يهابون حمى المسيد ولا يجرؤون على الاقتراب من (ناحيته).
■ شهد المسيد في الأسابيع الأولى لسقوط مدني وجوهاً غُبرة تفيض شراً؛ فبجانب كيكل جاء عبد الرحمن البيشي وقجة وغيرهم من قادة المدنيين الموالين للمليشيا سياسياً، وكانوا يظنون أن جلوسهم في حضرة الشيخ يمنحهم صكوك الغفران، وكان هذا التقارب يثير في نفوس المشفقين خيفةً كبرى، وكنت ألمح في أعين “الحيران” وجعاً مكتوماً وهم يرون السلاح ينتهك قدسية المكان، خشية أن (تتلوث) سمعة القرية بأكملها بتهمة الموالاة.
■ هذا التصنيف لم يتأخر أثره، فسرعان ما أصبح كل قادم من القرية موضع ريبة عند مداخل “المناقل”، حيث كانت الاستخبارات تستقبل أبناء الحلة بغلظة شديدة وتحقيقات لا تنتهي، بل وصلت في أحيان كثيرة إلى حد التخوين الصريح والاتهام ببيعة المليشيا، مما جعل أهلها، وخاصة شبابها، يرزحون تحت وطأة (بهدلة) ونكدٍ وتهمةٍ لا يد لهم فيها.
■ لم ينقشع هذا الضباب إلا في ذلك الاجتماع المشهود في قصر الشيخ، حين دعا رجالات القرية والقرى المجاورة “كركوج وباشكار وقسومة” للتشاور حول مصير المنطقة، وهناك، أمام الملأ، أطلق شيخ الريح تصريحاً زلزل الأرض، وأعلنها واضحة أنه يقف مع “القوات المسلحة” لأنها تمثل كيان الدولة، فكان الموقف بمثابة (المرق) الذي سند سقف الحقيقة المهدد بالانهيار.
■ استقبل الحاضرون موقف الشيخ بعاصفة من التصفيق أزاحت الهم عن الصدور، ولم يتوقف ذلك الهتاف إلا بأمرٍ من الشيخ، بل إن المشهد كان مهيباً لدرجة أن الدموع انهمرت من عيون بعض الرجال إعظاماً لهذا الموقف الوطني، ليعلن الجميع بعدها مباركتهم لخطوات الشيخ في تأمين المنطقة عبر ارتكازات الأهالي الذين قرروا أن (يتحزموا) لحماية أرضهم وعرضهم.
■ كانت خارطة الوجع في الجزيرة موزعة بين أربعة قادة؛ كيكل في مدني والشرق، والبيشي الذي توجه لسنار فلقي حتفه هناك، وجلحة الذي تبعثرت قواته بين مدني والحصاحيصا، وأخيراً “قجة” الذي عاست قواته فساداً في قرى غرب الجزيرة، وهي المناطق التي ذاقت من الانتهاكات ما يندى له الجبين، فكان الموت فيها (محكر) في كل زقاق وشارع.
■ ومع بداية الشهر الثاني للاحتلال، غدت “طيبة” الملاذ الأخير لكل منكسر، وبدأت قوافل النزوح تتقاطر بحثاً عن الأمان تحت مظلة المسيد، وكان كل نازح يجر خلفه حكاية تقطر دماً، وفي عينيه “فأر من الجحيم” وقصة فاجعة ألمت به، فكان الصمت هو سيد الكلام، والدموع هي التي تشرح ما ذاقوه من أوباشٍ (عادمين) للذمة والضمير.
■ كان المنظر عند مداخل القرية يفتت الأكباد؛ نساءٌ حافيات وشيوخٌ أعياهم المسير وأطفالٌ نسوا طعم البراءة، لمحتم بينهم طفلاً يشدُّ على “عراقي” أبيه المفقود كأنه يمسك بآخر قطعة من الوطن، وعجوزاً تحتضن مفتاح بيتها المنهوب، كلهم احتموا بهيبة المسيد من همجية لم تترك أخضراً ولا يابساً، باحثين عن (ضرا) يلم شتاتهم المبعثر.
■ وقفتُ أرصد تلك الوجوه، وكنت أشعر بمرارة شديدة وأنا أرى كبرياء الإنسان ينكسر تحت وطأة الغدر، فالحكايات كانت تتشابه في قسوتها؛ نهبٌ وسحلٌ وتشريد، وكل ذلك حدث تحت سمع وبصر قادة المليشيا الذين كانوا يتمسكنون في حضرة الشيخ، بينما يمارس جنودهم (النهب) والظلم في القرى المجاورة بكل خسة.
■ كانت تلك الفترة اختباراً حقيقياً لمعدن الرجال وحكمة القيادة الروحية، فقد كانت القرية تمشي على حبل مشدود بين نار المليشيا التي تطرق الأبواب بسلاحها، ونار التخوين التي تلاحق الناس في الخارج، وما أنقذ الموقف إلا الوضوح الذي أبداه الشيخ في اجتماعه، مؤكداً أن الحكمة في حماية الأرواح لا تعني أبداً (الزيغان) عن حق الوطن.
■ نقف عند هذا المشهد، وطيبة مزدحمة بآلام السودان وأوجاع الجزيرة، والشهادة أمانة في عنق القلم لتوثيق تلك اللحظات الفاصلة، كنت أسمع عويل النساء من خلف “الرواكيب” يحكي عن فقد العزيز وضياع الشقاء، وسنواصل في الحلقات القادمة تدوين تلك الصرخات بلسان الذين خرجوا من الجحيم (بي أخوي وأخوك).
نواصل..