الرحال والمحلية

*لفت وجود لاعبين من أصول سودانية في المنتخب القطري لكرة القدم، قبل سنوات، الأنظار إلى ما يملكه أبناء السودان من مواهب وطاقات تستحق الرعاية والاهتمام. وهي تجربة تذكرنا بأهمية اكتشاف أصحاب القدرات والمبادرات، ومنحهم الفرصة لخدمة مجتمعاتهم.
*تذكرت ذلك وأنا أستمع إلى قصة الرحال السوداني شمس الدين عبد الحليم، الذي بلغ الخامسة والسبعين من العمر، وما يزال يحمل روح المبادرة والإصرار على تقديم ما يراه خدمة لوطنه.
*يعد شمس الدين من أبرز الرحالة السودانيين على قيد الحياة، بعد رحيل محمد عبد السلام من مدينة الدويم، وخالد عشرية من مدينة ود مدني. وقد شارك في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري في مناسبات عديدة، وترك بصمته في سجل الرحلات والمبادرات الوطنية.
ومن أبرز محطاته رحلته عام 2013، حين قطع المسافة بين الخرطوم وبورتسودان سيرا على الأقدام في اثني عشر يوما، وكان في استقباله آنذاك والي البحر الأحمر الراحل محمد طاهر أيلا، رحمه الله.
*إن قطع هذه المسافة في اثني عشر يوما ليس مجرد إنجاز بدني، بل تجربة تستحق التوثيق والاهتمام، بما تحمله من معاني العزيمة والإصرار. وكان من الممكن أن تشكل هذه التجربة أساسا لمبادرات أخرى تستثمر خبرة الرجل وتاريخه، وتقدمها للأجيال الجديدة في صورة ملهمة.
*لكن ما استوقفني هذه المرة ليس تاريخ رحلات شمس الدين فحسب، وإنما ما تردد بشأن الصعوبات التي واجهته في الوصول إلى المسؤولين لعرض مبادرته الجديدة، فبحسب ما نقل إلي مقربون منه، التقى الرحال المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم في إحدى الفعاليات، وطلب منه المسؤول الحضور إلى المحلية لمقابلته.
*وبناء على ذلك، ذهب شمس الدين حاملا خطابا يتعلق بمبادرته، لكنه، وفقا للرواية ذاتها، لم يتمكن من مقابلة المدير التنفيذي، وظل طلبه دون رد واضح لأكثر من شهر.
*بالطبع، فإن هذه التفاصيل تستحق التحقق من المحلية والاستماع إلى وجهة نظرها، قبل إصدار أي حكم على المسؤول أو العاملين بمكتبه. فقد تكون هناك ملابسات أو إجراءات إدارية لم تتضح بعد، لكن ذلك لا يلغي أهمية إبلاغ المواطن بمصير طلبه، وتجنب ترك المبادرات معلقة دون إجابة.
*إن القضية ليست اتهام مسؤول بالتقصير قبل التحقق، وإنما التساؤل عن الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها المؤسسات مع أصحاب المبادرات الوطنية.
*حسنا.. إن شمس الدين يستعد للطواف بدولة قطر سيرا على الأقدام، في مبادرة يهدف من خلالها إلى لفت الأنظار إلى معاناة النساء والأطفال السودانيين الذين تعرضوا لانتهاكات خلال الحرب، وإيصال رسالة إنسانية بشأن ما واجهوه من معاناة.
*وكان الرجل يخطط كذلك لتنفيذ رحلة من سلاح المدفعية بمدينة عطبرة إلى سلاح الإشارة ببحري، عقب تحرير الخرطوم، دعما للعودة الطوعية وبثا لرسائل الأمل في استعادة الحياة بالعاصمة، غير أن أسبابا متعددة أدت إلى تأجيلها.
*إن مثل هذه المبادرات تستحق أن تدرس أهدافها وإمكانات تنفيذها، وأن ينظر في فرص دعمها وتنسيقها مع الجهات ذات الصلة، خصوصا عندما تتصل بقضايا وطنية وإنسانية. كما أن الرحلات من هذا النوع تحتاج إلى تخطيط وتنسيق مسبقين لضمان سلامة صاحبها ووضوح رسالتها وتحقيق أهدافها.
*أما محلية الخرطوم، فليس مطلوبا منها أن تستجيب لكل مبادرة أو أن تقدم دعما ماليا يتجاوز إمكاناتها، لكن من المهم أن تتيح لأصحاب الأفكار فرصة عرضها، وأن توضح موقفها من الطلبات التي تتلقاها، سواء بالموافقة أو الاعتذار أو الإحالة إلى الجهة المختصة.
*إن أقل ما يستحقه شمس الدين هو أن تسمع فكرته، وأن ينظر في طلبه بموضوعية، وأن يتلقى ردا واضحا بشأنه.
لقد دفعت الحرب السودانيين إلى مواجهة تحديات استثنائية، وأصبحت البلاد في حاجة إلى كل جهد يمكن أن يسهم في تعزيز روح الانتماء، وترميم النسيج الاجتماعي، وإيصال صوت المتضررين إلى العالم. وفي مثل هذه الظروف، فإن تشجيع المبادرات الجادة وتوجيه أصحابها إلى الجهات المعنية يمثلان جانبا من المسؤولية المؤسسية والمجتمعية.
*ومن هنا، فإن إتاحة الفرصة للرحال لمناقشة مبادرته مع المحلية ستكون خطوة إيجابية، كما أن توثيق تجربته إعلاميا يمكن أن يسهم في حفظ جانب من ذاكرة المبادرات السودانية، وتعريف الأجيال الجديدة برجال اختاروا التعبير عن انتمائهم للوطن بالفعل والعمل.
*عموما ليس كل صاحب مبادرة طالبا للمال، وليس كل طلب يستوجب الموافقة، لكن كل مواطن يستحق أن يعرف مصير طلبه، وكل تجربة تستحق التقييم المنصف قبل إهمالها أو الاحتفاء بها.
وشمس الدين ، بما يحمله من تاريخ في الرحلات وما يطرحه من أفكار جديدة، يستحق فرصة لعرض مبادرته ومناقشة سبل تنفيذها.
*لقد استطاع الرجل أن يقطع المسافة بين الخرطوم وبورتسودان سيرا على الأقدام في اثني عشر يوما، أما المسافة بين صاحب المبادرة والمسؤول، فينبغي ألا تكون أطول من أن تختصرها مقابلة واضحة أو إجابة مسؤولة.
*في الواقع.. قيمة المؤسسات لا تقاس فقط بما تقدمه من خدمات، بل أيضا بقدرتها على الاستماع إلى الناس، والتعامل مع طلباتهم بشفافية، وتقدير المبادرات، حتى عندما لا تكون في مقدورها تلبيتها.