الشمالية.. إرثٌ لا ينحني!

■ زوبعةٌ في فنجان تلك التي أُثيرت حول “حادثة دلقو” والكلمة العابرة للأخ المتحدث؛ فالرجل الذي أعرف صدق نواياه ودعمه المشهود لإخوته من دارفور لم يقصد شراً، لكن “تجار الأزمات” ومَن استمرأوا الاصطياد في العكر حولوا الهفوة إلى مادة دسمة. لقد خانه التعبير في خطاب ارتجالي، فجاء المتربصون عبر منصات التواصل و”عملوا منها قصة” ليحاكموا بها مجتمعاً كاملاً ضارباً في الجذور.
■ ردود الأفعال العنيفة والمنظمة من بعض “نشطاء الميديا” كشفت بوضوح عن فئة لا تزال تعيش صراعاً مع الذات؛ فهؤلاء يتحينون الفرص لصب الزيت على نار الفتنة بدلاً من فهم السياق الذي جاء فيه الحديث كرسالة “إيواء” لا “توطين”. هذا المشهد “الغريب والعجيب” ينم عن عدم تصالح نفسي مع واقع الإخاء الذي يعيشه الناس في ميدان الواقع بعيداً عن الشاشات.
■ شواهد التاريخ والواقع تظل هي الصك الذي لا يكذب ولا يتجمل؛ فالإنسان في الولاية الشمالية جُبل على التصالح المجتمعي، ولم تكن “العنصرية” يوماً في قاموسه، بل كان ولا يزال الملاذ الآمن لكل السودانيين. فتح البيوت وتقاسم “لقمة العيش” مع الفارين من جحيم الحرب هو الماركة المسجلة لهوية الشمال التي لا تهزها الكلمات المرتجلة مهما كبر حجم الضجيج.
■ الفرز الإلهي في المحن تجلى في هذه العثرة ليميز بين مَن يبحث عن استقرار الوطن، وبين مَن ينتظر ثغرة ليشعل حريقاً اجتماعياً جديداً؛ فالهجمة الشرسة كشفت عن “أمراض نفسية” لدى البعض ممن يحاولون تحويل سقطة لسان فردية إلى عداء استراتيجي ضد مجتمع مسالم “ما شال سلاح” يوماً في وجه أخيه، بل فتح صدره للكل دون قيد أو شرط.
■ حقوق السيادة المجتمعية تمنح أهل الشمالية، وهم يستضيفون إخوتهم بكل كرم، الحق في رفض نقل “ثقافة الصراع” و”الفوضى” إلى مناطقهم. الدعوة لتنظيم الوجود والتمييز بين “الإيواء المؤقت” و”التوطين الدائم” هي دعوة قانونية ومنطقية تحفظ حقوق “الملاك الأصليين” وتضمن سلامة النسيج الاجتماعي من أي تشويه مستقبلي قد يضر بالنازح والمستضيف معاً.
■ منطق العقل والوعي يؤكد أن “الإيواء” استضافة كريمة لحين انجلاء مسببات النزوح، وهو ما قدمه إنسان الشمال بفيض من المحنة. أما “التوطين” فله مساراته القانونية التي تحكمها الدولة؛ ومن العبث مطالبة المجتمع بتوزيع مئات الأسر في أراضٍ “مملوكة بوضع اليد” أو في سواقي قديمة دون ضوابط واضحة تحفظ للناس حقوقها التاريخية.
■ المتاجرة بالأوجاع الإنسانية من قبل بعض السياسيين والنشطاء أصبحت “تجارة خاسرة” ومكشوفة؛ فهؤلاء الذين يتباكون الآن على الحقوق هم أبعد ما يكونون عن معاناة إنسان دارفور الحقيقية في المعسكرات. صراخهم ليس إلا محاولة بائسة لاستخدام البسطاء “كدروع بشرية” في معاركهم السياسية والجهوية التي خسروا فيها كل شيء ولم يبقَ لهم إلا التحريض.
■ دروس الأزمات المتلاحقة تعلمنا أن الحصانة الحقيقية تأتي من الوعي ومن سد الثغرات في خطاباتنا العامة؛ فعلى أهلنا في الشمالية تفويت الفرصة على المتربصين الذين يتصيدون سقطات الكلام لتشويه صورتهم الناصعة. الصدور الواسعة التي احتضنت الجميع يجب أن يحرسها خطاب إعلامي متزن “يقطع الطريق” على تجار الفتن العابرة للحدود والمنصات.
■ السند والركيزة الوطنية ستظل عنواناً للشمال كما كانت عبر العصور، وستبقى “دلقو” ومدن النخيل واحات كرم لا تنضب أبداً. لن تنجح محاولات الوصم بالعنصرية في النيل من مجتمع لم يعرف الخذلان في تاريخه؛ فالإنسان السوداني في الشمالية يدرك جيداً الفرق بين “هفوة الفرد” العابرة وبين “المعدن الجمعي” الأصيل الذي يظهر عند الشدائد.
■ عموماً، سيبقى كرم الشمال حقيقة راسخة رسوخ الجبال، والفتنة التي يروج لها البعض لن تغير من واقع أننا يد واحدة ضد الحرب، ويد واحدة كذلك في حماية أرضنا واستقرارنا وإرثنا الأخلاقي؛ فالحق أبلج والباطل لجلج، وميزان الحق يزن الأفعال العظيمة والمواقف المشهودة لا “سقطات اللسان” في لحظة انفعال.