أخبار عاجلةمقالات

الشمندورة.. لحظة وداع

*لم تكن قاعة الشمندورة المطلة على كورنيش البحر الأحمر في بورتسودان، اليوم، مجرد مكان لاحتفال عابر أو مراسم وداع دبلوماسي، وإنما كانت مشهدا اختصر في ساعات قليلة كثيرا من ملامح الشرق السوداني، قبائل وقيادات أهلية وسياسية وإعلامية، ومؤسسات واتحادات، اجتمعت على كلمة واحدة.. الوفاء لمن أحسن حين كان في موقع المسؤولية.
*كان المشهد أكبر من وداع سفير جمهورية مصر لدى السودان هاني صلاح، والقنصل العام السفير أحمد يوسف فقد بدا واضحا أن الحاضرين لم يأتوا لتأدية واجب بروتوكولي، وإنما ليقولوا إن العلاقات بين الشعوب لا تقاس فقط بما يكتب في البيانات الرسمية، ولا بما يقال في المنابر السياسية، وإنما بما يتركه الرجال من أثر في نفوس الناس.
*ويحسب للأخ حزب النصير أحمد، المدير العام لمركز جزيرة الخير للخدمات الإعلامية والصحفية، أنه استطاع أن يجمع في قاعة واحدة هذا الطيف الواسع من أهل الشرق، وأن يحول مناسبة الوداع إلى لوحة سودانية كاملة الألوان.
*وكان أجمل ما في المشهد أن السياسة لم تكن وحدها سيدة المكان، فقد حضر الفن والوجدان الشعبي، وحين صدحت كلمات الفنان الراحل محمد وردي: «يا بلدي يا حبوب.. أب جلابية وتوب»، كان القائد شيبة ضرار يهز الساحة طربا، في لقطة تختصر الكثير عن السودان الذي نعرفه، السودان الذي يستطيع أن يختلف في السياسة، لكنه يجتمع على الفن والمحبة والوفاء.
*وتتابعت لحظات التكريم من المؤسسات والاتحادات، وكان في مقدمتها مركز جزيرة الخير، ثم رابطة الصحفيين السودانيين بقيادة الصديق محي الدين شجر، الذي اختار للكلمة أن تكون جزءا من التكريم، فقدم إهداءين للسفير والقنصل، حملا في عباراتهما تقديرا لما قدماه خلال فترة عملهما، ودورهما في مد جسور التواصل بين الشعبين السوداني والمصري.
*ولعل أكثر ما لامس القلوب حديث السفير أحمد يوسف، وهو يغادر موقعه، حين تحدث عن تجربته في السودان باعتبارها واحدة من أجمل فترات عمله الدبلوماسي، مؤكدا أنه سيغادر البلاد، لكنه يحمل في قلبه الكثير من المودة والمحبة للشعب السوداني.
وهنا تكمن قيمة المشهد كله، فالدبلوماسي قد تنتهي مهمته بقرار إداري، وتنتهي مهمته الرسمية بخطاب مغادرة، لكن الإنسان لا يغادر قلوب الناس ببرقية.
*وفي الشمندورة، لم يكن السودان يودع سفيرا وقنصلا فحسب، بل كان يقول لهما، بطريقته الخاصة.. شكرا لكل موقف طيب، ولكل كلمة صادقة، ولكل جسر بنيتموه بين شعبين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمودة.
ذلك هو السودان الذي نريده، حين يختلف السياسيون، يبقى الود، وحين تنتهي المهام، يبقى الوفاء، وحين يغادر الرجال مواقعهم، يبقى أثرهم شاهدا عليهم.
كانت الشمندورة ليلة وداع، لكنها في حقيقتها كانت ليلة وفاء.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى