أخبار عاجلةمقالات

الطبيب الذي تحتاجه ​الخرطوم

*​ثمة رجال تعيرهم المناصب بريقا زائفا فيتبدد، وآخرون تغرهم السلطة فتكشف عن أسوأ ما فيهم. غير أن من طينة الأرض الأصيلة رجالا تأتيهم المسؤولية فلا يرون فيها مجدا شخصيا أو إرثا مستحقا، بل يحملونها تكليفا ثقيلا، وفرصة لخدمة الناس ورفعة الوطن. ومن هذا المعدن النادرِ يبرز اسم الدكتور عبد الباقي عبد القادر.
*​لم يكن خروج الدكتور عبد الباقي إلى واجهة المشهد السيادي عقب قرارات أكتوبر 2021م صعودا لرجل ألف أروقة الحكم أو احترف لعبة السياسة، إذ لم تكن السياسة يوما مشروعه، ولا كانت المناصب بغيته. كان أكاديميا يقف صباحا يغرس العلم في عقول طلاب كلية الطب، وطبيبا يداوي الآلام في عيادته مساء، *لكنه كان يحمل بين أضلعه هما أعظم حجما وأعمق أثرا… هما اسمه السودان.
​ومن واقع القرب منه كمستشار إعلاميٍ في تلك المرحلة الدقيقة، لم تكن معرفتي به انطباعا عابرا أو رأيا من بعيد، بل خبرت الرجل في ميادين العمل، وتحت محكات الاختبار ومواقف الشدة، فرأيت فيه نموذجا نادرا من التجرد، والوفاء، والإخلاص الوطني.
*​تولي الرجل ملفات الصحة والتعليم، إلى جانب مسؤولياته تجاه ولاية الخرطوم، غير أَنه رفض سجن نفسه في إطارِ المكاتب المغلقة والأختام الرسمية. كان يدرك بوعيه الميداني أَن المسؤول الذي لا يبرح مقعده المكيف يظل معزولا عن نبض الواقع، لذا جعل من الشارع والميدان مكتبه الحقيقي.
*​جاب المستشفيات، وتفقد المدارس، ووقف على المشروعات التنموية في أطراف الولاية النائية. لم تثنه المسافات عن الوصول إلى “أبو دليق”، ولا عن تفقدِ أراضي “الجموعية” ومشرع “السليت” للوقوف على أحوال الزراعة والخدمات.

*لم يكن يكتفي بتقارير تكتب على الورق، بل كان يصر على أن يرى مكامن الخلل بعينه، ويلمس الجرح بيده.
​ولعل أصلب موقف كشف عن معدنه الأخلاقي، يوم طلب مني إعداد بيان استقالته تضامنا مع الدماء التي أُريقت في المظاهرات. لم تكن الكراسي عنده تُساوي قطرة دم سودانية، ولا كان المنصب يدفعه للمساومة على مبادئه. ورغم تراجعه عن الاستقالة بعد تفاهمات ضاغطة، إِلا أَنه لم يتردد لحظة في الانحياز لحق الشباب في التعبير، مؤمنا بأَن الدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها وتستمع لآرائهم، لا التي ترهبهم.
*​ومع انطواء صفحة المكون المدني، عاد الدكتور عبد الباقي بكلِ تواضع إلى عيادته ومرضاه، كسبته مهنته الإنسانية، وخسره السودان كرجل دولة طليعي. ثم قادته الأقدار ليواصل عطاءه الطبي في أطراف المملكة العربية السعودية (أبها)، يستطب به المرضى هناك، بينما يفتقده وطنه الأحوج إلى خبرته وحكمته.
*​اليوم، ونحن على أعتاب مرحلة تتطلب إدارة صادقة للبلاد، لم يعد السودان بحاجة إلى أسماء تستهلك لتعبئة الفراغ الهيكلي، ولا إلى مسؤولين يتقنون خطابات الإصلاح دون ممارسته. إن البلاد بحاجة إلى أمثال عبد الباقي عبد القادر، المسؤول الذي ينزل إلى الميدان قبل إصدار القرار، ويستمع للمواطن قبل الحديث باسمه.
*​إذا كان السؤال المطروح بظلال المرحلة.. من تحتاجه الخرطوم حاكما؟ ومن يحتاجه السودان وزيرا؟ فإن اسم الدكتور عبد الباقي يفرض نفسه بقوة. لا لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه يمتلك ما ندر وجوده في العمل العام: النزاهة، والإخلاص، والرؤية الميدانية، والتعامل مع السلطة كواجب لا كغيمة فخر.
​الخرطوم اليوم لا تبحث عن مسؤول يرصد الدمار من خلف المكاتب والزجاج المظلل، بل تحتاجه طبيبا ينزل إلى أوجاع الناس، يداوي جراح المدينة، ويشاركُ في إعادة بناء ما هدمته الأيام.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى