أخبار عاجلةمقالات

*المهندس حسب الله النور سليمان يكتب ..خراف دوندونو و سياسات صندوق النقد الدولي*

بسم الله الرحمن الرحيم

دوندونو ذلك التاجر الجشع الذي لا يعرف الرحمة كما وصفه الأديب رابيليه بأنه يحتل أسوأ ما في هذا العصر وهو غياب الإنسانية، تشاجر مع بانوروج ذلك الرجل الخبيث الماكر، فقرر بانوروج أن ينتقم من التاجر الجشع، فاشترى خروفا بسعر عالٍ من خراف دوندونو التي كان يحملها على ظهر السفينة لغرض البيع والتربح ، وفي مشهد غريب أمسك بانوروج ذلك الخروف وألقى به في عرض المحيط، فما كان من الخراف الأخرى إلا وأن اصطفت في طابور مهيب لتمارس دورها في القفز من السفينة، فجن جنون تاجر الأغنام وهو يحاول منع القطيع من القفز على الماء، ولكن محاولاته باءت بالفشل، فقد كان إيمان الخراف بما يفعلونه على قدر من الرسوخ أكبر من أن يقاوم، وبدافع قوي من الجشع حاول دوندونو الامساك بآخر خرافه آملاً في إنقاذه، إلا أن عزيمة الخروف أسقطتهما معا ليواجها ذلك المصير المحتوم.
إن هذه القصة بالرغم من أنها من الأساطير الفرنسية إلا أنها وللأسف الشديد تحاكي الواقع المأساوي الذي تعيشه شعوب ما يسمى بالدول النامية، أو دول العالم الثالث، إن القروض التي يقدمها صندوق النقد والبنك الدوليين للحكام المتشبثين بالسلطة هي عين الصفقة التي تمت بين الخبيث الماكر بانوروج مع التاجر الجشع عديم الرحمة، فقد كان مصير الخراف هو عينه مصير تلك الشعوب المقهورة التي سقطت في أفواه حيتان الشركات الرأسمالية العابرة للقارات.
إن سياسات هذه المؤسسات المالية الكارثية و الإجرامية لم تكن لتخفى على أحد، ولكن كتابتها على ورق شفاف موضوع بعضه على بعض يمكن من الاطلاع عليها دفعة واحدة، علها تكون بمثابة حجر غليظ يلقى على بركة ساكنة من الاستسلام تحرك أمواجا متتالية من الإحساس بالظلم فتحدث تغيراً.
إن بشاعة تلك السياسات حركت مشاعر بعض خبراء الإقتصاد وهم في الأصل من ذوي العلاقات الوثيقة بتلك المؤسسات والذين طفح بهم الكيل، بالوقوف على بعض هذه التصريحات يعكس حجم الماساه.
أشار ستغلتز، الذي شغل منصب نائب رئيس البنك الدولي ورئيس قسمه الاقتصادي، إلى أنّ الأركان الثلاثة لسياسات “توافق واشنطن”، التي اعُتبرت بمثابة الحلّ السحري للأزمات المالية والاقتصادية في دول الجنوب العالمي مهما اختلفت أنواعها وأسبابها، هي التقشّف في السياسات الإنفاقية والضرائبية، والخصخصة، ولبرلة أو انفتاح الأسواق المحلية وسوق المال بصورة خاصة، وقد حاجج ستغلتز في كتابه “خيبات العولمة” أنّ هذه السياسات أصبحت بمثابة مقدسات مطلقة لدى المؤسسات المالية الدولية في تلك الفترة، إذ طبقت كوصفات تلقائية من دون الاكتراث للسياق الاقتصادي أو لتداعياتها على أرض الواقع، ما أدى إلى نتائج كارثية في العديد من الدول النامية.
كتب لاري إليوت في صحيفة (الجارديان)، وبالطبع لا يعترف البنك الدولي ولا صندوق النقد بأن سياساتهما هي المشكلة، حتى لو أثبت باحثون أن هذه المؤسسات الدولية هي في الواقع (أكبر صناع الفقر في أفريقيا). فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت المؤسستان اللتان تتخذان من واشنطن مقرًّا لهما، المهندس الرئيس للسياسات المسؤولة عن انعدام المساواة وتفاقم الفقر في العالم، خاصة في أفريقيا.
وكما وصفت المسئولة السابقة في برنامج الأمم المتحدة للتنمية ايزابيل غرامبرغ السياسات التي يفرضها الصندوق على الدول الأعضاء، لا سيما النامية منها، والتي تؤدي في أكثر الأحيان الى ارتفاع معدل البطالة وانخفاض في القدرة الشرائية، وتبعية خاصة غذائية، يضاف إليها تفكك للأنظمة الإنتاجية، وصفت هذه الأمور بالجريمة، معتبرة أن صندوق النقد الدولي ليس مشارك فيها فقط بل إنه المايسترو الذي يدير نظاما شاملاً يسحب الأموال من الفقراء ليموا إنفاق أقلية غنية.
هذا وقد وصفه الخبير الألماني ارنست قولف، أستاذ الفلسفة بجامعة بريتوريا في كتابه “صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية” إن تدخلاته في الواقع أشبه ما تكون بغزوات جيوش متحاربة.
ونختم هذه التصريحات بما ذكره جون بيركينز في كتابه الاغتيال الاقتصادي للأمم” إن صندوق النقد الدولي هو أحد أدوات الشركات العالمية لبناء امبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتزعزع الدول وتنهب وتدمر اقتصاد الدول النامية”.
لقد وصف هؤلاء الخبراء حجم المأساة التي تسببت فيها المؤسسات المالية الدولية ، ولكن ما هو أصدق وصفا، وأقوى تعبيراً لرسم حجم المعاناة التي يعيشها الناس يومياً، بل في كل ساعة وحين، والسودان خير مثال على الاستجابة المطلقة لروشتات صندوق النقد الدولي القاسية، فقد رفعت الدولة يدها تماماً عن كل الخدمات، و عن تقديم أي نوع من الدعم على السلع الأساسية فصارت الحياة قطعة من الجحيم المتصاعد لهيبه، وهذا الأمر ليس قاصراً على السودان وأهله فحسب، بل هي سياسة عامة، ودونكم تقرير عن سياسات صندوق النقد الدولي في افريقيا كتبه هربرت غلوشي: (كانت البلدان النامية غير قادة على سداد فواتير القروض القديمة في عام 1980 بلغ مجموع ديون البلدان النامية (567) مليار دولاراً، وبين عامي 1980-1992 دفعت هذه الدول (1662) مليار دولار، ومع ذلك، وبسبب ارتفاع أسعار الفاتورة زادت الديون لـ (1419) مليار دولار، على الرغم من انها دفعت أكثر من ضعف الديون كسداد، بقي ضعفها أيضا دينا مستحق الدفع، وقد أجبرت هذه الدول على أخذ قروض جديدة لتدفع مستحقات الدين والحيلولة دون إعلان الافلاس كما حدث في السودان مؤخرا بما يسمى بالدين التجسيري.
إن كان بانوروج خبيثاً وماكراً حيث استخدم الحيلة للانتقام من شخص دوندونو، فإن صندوق النقد الدولي كان أشد مكراً وأكثر خبثاً، لأن برنامجه الاقتصادي الذي يفرض على الدول سياسات ذات نتائج كارثية يقع أثرها على الشعوب عامة وليس على الخراف .
وان كان تشبث التاجر الجشع أدى إلى هلاكه وهلاك ثروته، فإن تشبث هؤلاء الحكام العملاء بالحكم أدى إلى هلاك شعوبهم وسيادة وثروات بلادهم.
إن سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية، وغيرها من المؤسسات المالية الدولية، هي عبارة عن واجهات اقتصادية للنظام الدولي الذي يسعى للسيطرة الكاملة على شعوب العالم، وإن هذه الدويلات القطرية تبقى عاجزة عن مجابهة هذا النظام الدولي المتوحش، وهي في أصلها إنما صنعت ليكون دورها وظيفياً لتنفيذ هذه السياسات والسير في ركاب النظام الدولي .
و لم يتركوا أمامنا سوى خيارين لا ثالث لهما، إما الرضوخ للأمر الواقع والرضا بأن نكون لقمة سائغة في بطن الحوت الأسود من الشركات الرأسمالية، فتقضمنا وتهرسنا ثم تبتلعنا، أو الوقوف في وجه هذه السياسات. ومن حسن حظ المسلمين دون غيرهم من الشعوب الأخرى المقهورة أن لهم نظاما اقتصادياً يوازي، بل يفوق النظام الرأسمالي في صحة معالجاته، ويملكون نظاما سياسيا يتمثل في الخلافة الراشدة القادرة على الوقوف في وجه هذا النظام الدولي، و كذا لهم رب يدافع عنهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بل وضمن لهم النصر ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، فلم يبق للمسلمين إلا التحرك بأقصى سرعة لنصرة هذا الإسلام العظيم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى