الي البرهان..الإنسان.. السلعة الاغلي

*لم تكن الأرقام التي أطلقها رئيس الغرفة القومية للبصات السفرية، قريب الله البدري، مجرد إحصائيات عابرة تمر عبر شريط الأخبار؛ بل كانت صرخة استغاثة أخيرة لما تبقى من “شريان الحياة” الذي يربط أطراف السودان المتباعدة. حين تتوقف المحركات في أكثر من (20) شركة نقل، فنحن لا نتحدث عن خسارة تجارية لمستثمرين فحسب، بل نتحدث عن “سكتة قلبية” تصيب حركة التواصل الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
*المفارقة المؤلمة تكمن في “جزاء سنمار” الذي يلقاه هذا القطاع. ففي الوقت الذي كانت فيه البصات السفرية هي “المنقذ” في الأزمات، تنقل العائدين للوطن، وتجلي المصابين، وتصل الرحم بين المدن حين انقطعت السبل؛ تكافأ اليوم بحصار مالي يبدأ بضرائب تلتهم 20% من قيمة التذكرة، ولا ينتهي عند “فوضى الجبايات” التي تترصد السائقين في كل ولاية ومنعطف، إلى جانب وقود مرتفع الثمن.
*إن ما يحدث الآن هو عملية “تجريف” ممنهجة لقطاع منظم لصالح فوضى النقل العشوائي. كيف يستقيم عقلاً أن يُطلب من المستثمر الصمود وسعر برميل الجازولين في بورتسودان يقفز فوق حاجز المليون وأربعمائة وخمسين ألف جنيه، ويتضاعف في الولايات الأخرى؟ *وكيف يمكن لشركات النقل أن تتنفس وتحت وطأتها ازدواجية ضريبية مقيتة؛ يدفع الناقل رسومه عبر “النظام الموحد” ليجد نفسه مجبراً على الدفع مرة أخرى في طرقات الولايات تحت مسميات واهية؟
*إن المقارنة بين قطاع الشاحنات والبصات تفرض نفسها بحدة؛ فإذا كانت الدولة قد أعفت بعض الشاحنات من الجمارك لضمان تدفق السلع -وهو قرار صائب- فمن باب أولى أن يُعامل ناقلو البشر بذات المنطق. أليس الإنسان هو “السلعة” الأغلى في هذا الوطن؟ لماذا يُترك المواطن ليدفع ثمن “الجبايات” من جيبه المنهك، أو يضطر لركوب وسائل نقل غير آمنة بعد أن أُجبرت الشركات الكبرى على إطفاء محركاتها والرحيل بصمت؟هل تتذكرون باصات الصفصاف.. وقندلا وافراس واصلان؟ اين هي الآن هذه الشركات؟ وغيرها من التي خرجت من سوق النقل.
*هذه الرسالة نضعها أمام رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ورئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس ووزير المالية د. جبريل ابراهيم.. إن إنقاذ قطاع البصات السفرية ليس “منحة” تمنحونها للمستثمرين، بل هو ضرورة أمنية وقومية. المطلوب ليس مجرد تخفيض رسوم، بل “ثورة تصحيحية” تشمل، إعفاءات جمركية فورية لمدخلات القطاع الي جانب لجم فوضى الجبايات الولائية وتوحيد التحصيل فعلياً لا قولاً مع ضرورة معالجة ملف الوقود المخصص للقطاع الخدمي.
*إن استمرار هذا النهج الجبائي يعني شيئاً واحداً.. أن الخزينة العامة قد تنتعش لبضعة أيام برسوم الجبايات، ولكنها في المقابل ستدفع الثمن غالياً حين تظلم الطرقات وتتوقف المحركات وتتقطع الوصال، أن الجبايات لا تبني وطناً.. بل تطفئ محركاته.