انتصار الهلال الأحمر

*وسط ضجيج المدافع ومحاولات تصوير السودان كبلد أكلته الحرب وفقد كل مقومات الحياة، تنهض بورتسودان اليوم لتبعث بالعزيمة من قلب الركام، وتوجه رسالة مدوية للعالم رسالة لا تصيغها فوهات البنادق، بل يسطرها العمل الإنساني في أبهى تجلياته.
*حدث استثنائي في توقيت فارق
حين تختار الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر السودان حاضنا لجمعيتها العمومية لإقليم شرق أفريقيا والمحيط الهندي في الرابع عشر من هذا الشهر، بمشاركة خمس عشرة دولة، فإن هذا الاختيار يتجاوز بروتوكولات الاستضافة التقليدية.
*إنه صك اعتماد دولي، وشهادة ثقة استثنائية منحت للبلاد في وقت شحت فيه الثقة وتراجعت فيه التقييمات الإيجابية.
*هذا المؤتمر الإقليمي الرفيع ليس مجرد وفود تلتقي في قاعات مغلقة، أو كلمات تلقى أمام عدسات الكاميرات، بل هو اعتراف أممي صريح بأن السودان، برغم عمق الجراح والنزيف المستمر، ما زال يمتلك مؤسسات راسخة قادرة على الفعل، وكوادر مؤهلة لإدارة الأزمات، ومتطوعين صاغوا من التحدي ملحمة إنسانية لا تعرف الانكسار.
*خلف هذا الحراك الإقليمي الضخم يقف 800 ألف متطوع، رقم لا يساق للتفاخر العددي، بل هو “جيش الإنسانية” الحقيقي للسودان. نساء ورجال وشباب اختاروا طواعية الخندق الأصعب.. إطعام الجائع، ومواساة النازح، وتطبيب المريض، في وقت كان فيه الكثيرون يلوذون بالفرار. هؤلاء هم الوجه الحقيقي للسودان الذي تحاول صور الحرب طمسه.
*لقد أثبت الهلال الأحمر السوداني أنه لم يكن يوما مجرد “متلق سلبي” للمساعدات، بل كان شريكا أصيلا وقائدا ميدانيا في صناعة الاستجابة الإنسانية. لقد عبر المتطوعون إلى مناطق عجزت عن بلوغها كبرى المنظمات الدولية، وواصلوا مهامهم الجسورة رغم نهب المقار، وتدمير المركبات، ورغم الفاتورة الباهظة التي دفعت من أرواح طاهرة سقطت في ميدان الواجب دون أن تحمل سلاحا، بل حملت الغذاء والدواء والأمل.
* إن دماء شهداء العمل الإنساني الذين سقطوا في أقسى حروب السودان ليست مجرد تضحيات عابرة، بل هي القيمة العليا التي تمنح هذا المؤتمر الإقليمي شرعيته وأهميته، وتكريمهم هو تكريم للإنسانية في أسمى صورها.
من المنصات الدولية إلى واقع الأرض
إن هذا الزخم الإقليمي، يأتي متزامنا مع انتخاب السودان نائبا لرئيس المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر، يجب ألّا يتوقف عند حدود الألقاب والمكاسب الدبلوماسية.ان التحدي الحقيقي والنجاح الفعلي للمؤتمر يقاس بقدرته على ترجمة التوصيات والوعود إلى مشروعات تنموية وإغاثية ملموسة في القرى، والمدن، ومعسكرات النزوح.
واستكمال مشروع الإصلاح المؤسسي داخل الهلال الأحمر السوداني، وترسيخ قيم الحوكمة والشفافية، فالمنظمة التي تقود الإنسانية يجب أن تكون منارة في النزاهة.
*ربما تتبدل الموازين السياسية، وتتغير الحكومات والمواقف، لكن العمل الإنساني يظل هو اللغة المشتركة الوحيدة التي يفهمها العالم. وحين ينتصر الهلال الأحمر لإنسان السودان من خلال استضافة هذا المحفل الإقليمي التاريخي لشرق أفريقيا والمحيط الهندي، فإنه يعيد لاسم السودان هيبته ومكانته… وهي معركة وعي وإثبات وجود لا تقل أهمية وضراوة عن أي معركة أخرى.