أخبار عاجلةمقالات

​بين حبر القلم والمليشيا

 

*​لم تكن الصحافة السودانية يوماً مجرد ترفٍ فكري، بل كانت منذ العام 1903 هي “الرئة” التي يتنفس بها الشعب، والديوان الذي سجل انتصاراته وانكساراته. واليوم، ونحن نمر بذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة، نجد أن هذه الرئة تتعرض لمحاولة خنق مكتملة الأركان، لا لشيء إلا لأنها ترفض أن تبيع صوتها في سوق “المليشيا” أو أن تغض الطرف عن أشلاء الوطن المبعثرة.

*​إن الأرقام التي ساقها بيان اتحاد الصحفيين السودانيين بذكرى اليوم العالمي الحرية الصحافة ليست مجرد إحصائيات صماء، فخلف كل رقم من الشهداء الستة والعشرين حكاية “بطل” كان يحمل كاميرا أو قلماً بدلاً من البندقية، وخلف كل مكتب نُهب أو أرشيف أُحرق محاولة بربرية لمحو ذاكرة أمة بأكملها.

*حين تُحرق أرشيفات الإذاعة والتلفزيون وتُنهب معدات وكالة الأنباء، فنحن لا نتحدث عن خسائر “بالملايين من الدولارات” فحسب، بل نتحدث عن “اغتيال لذاكرة السودان” وتجريف لتاريخه الإعلامي الذي امتد لأكثر من قرن.

*​ما تمارسه ميليشيا الدعم السريع ضد الصحفيين هو “إرهاب فكري” يسعى لعزل السودان عن العالم، ليخلو لها الجو في ارتكاب جرائمها بعيداً عن أعين الرقيب.

*و تحويل منازل الإعلاميين ومقار عملهم إلى ثكنات عسكرية هو قمة الانحطاط الأخلاقي، ورسالة واضحة بأن “صوت الحقيقة” هو العدو الأول لمن يقتاتون على الفوضى والدماء.​لكن، هل ينجح الرصاص في هزيمة الحبر؟

التاريخ يخبرنا أن الطغاة يذهبون، وتبقى الكلمة. إن صمود الصحفيين السودانيين اليوم، وعملهم تحت القصف ومن المنافي ومن المنصات البديلة، هو أكبر دليل على أن “صاحبة الجلالة” في السودان قد تمرض، وقد تُعتقل، وقد تنزف، لكنها أبداً لا تموت.

*​على المجتمع الدولي أن يكف عن “القلق” الصامت. إن استهداف الصحافة في السودان يرقى لجرائم الحرب، وملاحقة الجناة ليست مطلباً نقابياً بل هي ضرورة أخلاقية وقانونية لضمان عدم الإفلات من العقاب. أما الصليب الأحمر، فعليه أن يدرك أن عشرين صحفياً في غياهب سجون الميليشيا ينتظرون فعلاً لا قولاً.

*ستظل المطابع تدور، حتى لو كانت في عقولنا وقلوبنا فقط، وسينقشع غبار هذه الحرب لنجد أن القلم الذي حاولوا كسر نصله، هو نفسه الذي سيكتب بيان “الانتصار” ونهاية كابوس المليشيا. فالحقيقة كالشمس، قد تحجبها غيوم الرصاص لفترة، لكنها حتماً ستشرق.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى