أخبار عاجلةمقالات

حين انهارت الدموع

*في زمن الحرب.. لا تتشابه فقط مشاهد الخراب، بل تتشابه أيضا الأسئلة الثقيلة.. أين يقف الإنسان حين تضيق الأرض بأهلها؟ ومن يلتقط وجوه المكلومين من بين ركام الحياة؟
*في شارع الجرائد، حيث تعود الذاكرة كل مرة لتستفز الحنين، كان عدد من الزملاء يلتقون كعادتهم لاستعادة شيء من ملامح الأمس. لكن اللقاء هذه المرة لم يكن عابرا، إذ ظهر بينهم مستشار رئيس الوزراء مصلح نصار، لا بوصفه مسؤولا، بل بوصفه ابنا لهذا الشارع ورفيقا لرواده، في طريقه إلى مهمة لا تشبه سوى الإنسانية المجردة.
*كان الحديث في البداية عاديا، حتى كشف لهم أنه متوجه لزيارة سيدة فقدت زوجها وابنها في حرب الكرامة، ولم يتبق
لها من الحياة سوى “صاج كسرة” و”قدر طعمية” في سوق أركويت، تقاوم بهما الجوع وقسوة الفقد، وتستند إليهما لتستمر واقفة رغم الانكسار.
*عند الوصول.. كان المشهد أبلغ من أي وصف. امرأة تجلس بصمت ثقيل، وملامحها تحمل تاريخ وطن أنهكته الحرب أكثر مما أنهكته السنين. لم يكن هناك استعراض، ولا كاميرات، ولا خطب جاهزة. فقط رجل يقترب بهدوء، يجلس إلى جوارها، ثم يربت على كتفها كما يفعل من يعرف معنى الفقد، ويقول بصوت خافت لكنه حاسم..
“من اليوم لن تظلي هنا… سنقف معك حتى تستعيدي كرامة العيش.”
*ثم جاءت الأفعال قبل أن يبرد صدى الكلمات.. دعم مالي مباشر، توجيه بتوفير سكن لائق، وتعليمات واضحة بمتابعة حال الأسرة حتى تستقر، وكأن الرسالة الأهم هي أن الألم حين يصبح إنسانيا لا يدار بالوعود، بل بالفعل.
*لم تكن المرأة وحدها من انهارت دموعها. السوق كله تقريبا توقف عند تلك اللحظة. وجوه صامتة، وعيون امتلأت بما لا يقال. كان الجميع أمام مشهد نادر.. مسؤول يختار أن ينزل من لغة المناصب إلى لغة الإنسان، بلا وسيط ولا مسافة.
*الحرب لا تترك خلفها جبهات فقط، بل تترك جبهات أخرى أكثر قسوة.. أرامل يواجهن الحياة وحدهن، وأطفالا يتعلمون البكاء قبل الكلام، وأسرا تبحث عن معنى البقاء. وهؤلاء لا تنقذهم الشعارات، بل تنقذهم يد تمتد دون انتظار مقابل، ومسؤول يدرك أن سلطته الحقيقية تقاس بقدرته على تخفيف الألم لا إدارته فقط.
*لسنا أمام صناعة بطولة، ولا نبحث عن رمزية زائفة. لكن هناك مواقف تفرض على الذاكرة لأنها صادقة أكثر من أن تنسى، وأقوى من أن تختصر. فحين يتحول المسؤول إلى إنسان قريب من وجع الناس، يصبح الخبر أكبر من الحدث، ويصبح المشهد درسا في معنى المسؤولية.
*تحية لكل من يختار أن يكون مع الناس لا فوقهم، ولكل يد ترمم كسرا لا يظهر في التقارير. فالأوطان لا تبنى بالقرارات وحدها، بل تبنى حين يلتقي المنصب بالرحمة، وتلتقي السلطة بالضمير، في لحظة صادقة كهذه.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى