د. محمد بشير عبادي يكتب.. الهوية البصرية للمدن..شأن سيادي لا ترف جمالي

قبل عدة سنوات زرت مدينة حلب السورية،لأول وهلة عندما تدلف لوسطها حيث المدينة القديمة تلفت نظرك قلعتها الشاهقة التي شهدت عصور متعاقبة وتم ترميمها لتكون بشكلها الحاضر على يد القائد المسلم “صلاح الدين الأيوبي”،حلب ذات الطراز المعماري الإسلامي المميز لهويتها البصرية،يظهر ذلك في خاناتها ومدارسها وحمامتها المشهورة كحمام “يلبغا” ومشافيها المعروفة ب”البامريستانات”،إن المتجول في شوارع وأزقة وأسواق حلب،يلحظ تواصل الحضارات والحقب التاريخية المتعاقبة منذ العصر الآرامي والآشوري والروماني والبيزنطي،فالعصر الإسلامي بدوله المتتالية،فهذه آثار الدولة الأموية وتلك الدولة العباسية،فالفاطميين ثم المماليك والأتراك إنتهاءا بالعصر الحديث.
ذكرت مدينة حلب كنموذج للمدينة ذات الهوية البصرية المتفردة ،ذات الشئ ينطبق على بغداد والقاهرة ومراكش وعديد المدن والحواضر العربية.
إن الهوية البصرية للمدن تكمن أهميتها في إبراز شخصيتها ونكهتها الخاصة وعكس ثقافتها وإرثها الحضاري وهي آلية تمكن الزائر من التعرف على تاريخ المدينة وما يميزها عن مدن أخرى وهي بذلك تكون من الجواذب السياحية،بل أبعد من ذلك كونها مرجعية يعتد بها المواطن وساكن المدينة وتحدد هويته وتغرس في ذهنه قيم بلاده.
تصمم الهوية لتعكس روح المكان وتتكون من عدة عناصر تبدأ بالشعار(logo) الذي يلخص تصميمه ثقافة المدينة بمكوناته التي تحتوي على الرموز الشكلية والألوان والخطوط وتنبسق من الشعار كافة الأدوات الأخرى كواجهات المباني الحكومية والخاصة واللوحات الإرشادية وتصميم هويات المحال التجارية وكافة المرافق العامة.
يرتبط نجاح الهوية البصرية للمدينة إرتباطاً وثيقاً بمدى انسجامها مع المحلات التجارية والمرافق العامة، فهي تمثل إمتداداً حياً للقصة البصرية للمكان،يُحقق ذلك من خلال إصدار دليل إرشادي هندسي (Design Guidelines) يُلزم المحلات بتطبيق معايير موحدة في لوحات الأسماء، الألوان والتصميم الخارجي، بما يعكس الطابع الحضاري والتراثي للمدينة،عبر خطوات لتنفيذ الأفكار بتحديد لوحة ألوان (Color Palette) مستوحاة من طبيعة وتاريخ المدينة،يمكن للمحلات استخدامها في واجهاتها، مع توفير خطوط معمارية رسمية تتماشى مع الطابع العام،الخطوة الأخرى تتمثل في وضع الضوابط الهندسية لتوحيد أسلوب بروز اللوحات ونوع الإضاءة والمواد المستخدمة (مثل: الألومنيوم، الخشب المعالج، أو النحاس) لضمان عدم وجود تلوث بصري عند تصميم الواجهات واللافتات (Signage & Facades)،كما يجب ألا تكون اللافتات دخيلة على المبنى، بل تصمم لتندمج مع الواجهات (مثلاً: حفر الأسماء على الخشب أو المعدن بدلاً من اللوحات البلاستيكية التقليدية)،توحيد مواقع اللوحات،تحديد مساحات محددة وثابتة لكل محل في المبنى،مع دمج العناصر الجدارية بإستخدام الفنون الجدارية (Murals) على جوانب الشوارع متضمنة زخارف أو أيقونات تعكس هوية المدينة مع ترك مساحة للمظلات والمقاعد وتوحيد تصميمها في المقاهي والمحال ومقاعد الجلوس في الشارع، لتكون قطعة واحدة متناغمة مع هوية المدينة،مع تصميم الإضاءة للزينة أوالإضاءة الليلية بتعميم نوع محدد من الإضاءة مثل الإضاءة الدافئة أو إضاءة (LED) الموفرة للطاقة على طول الشوارع واستخدام تشجير يتناسب مع البيئة المحلية.
هناك جانب مهم مرتبط بالهوية البصرية للمدن وهو مسألة الإحتفالات والأعياد،حيث تربط زينة واجهات المحلات التجارية خلال المناسبات الوطنية أو الأعياد بـ “الإيقاع” العام للمدينة، لمنح تجربة بصرية متكاملة للمواطنين والسياح.
بذلت في الماضي مجهودات مقدرة إبان فترة حكم الرئيس السابق “عمر البشير” لتصميم هوية المدن تجلى ذلك في عمارة المؤسسات العامة،كأبراج قيادة الجيش التي صممت على شكل قلاع،كما تم تصميم واجهات مبانيها لتعبر عن رمزية كل سلاح وكذلك كانت هناك إنجازات في بقية المؤسسات ولكن توقف العمل ولم يستمر،الآن العاصمة الخرطوم فاقدة لهويتها البصرية،فلا هي عربية ولا إسلامية ولا أفريقية،مع أنها خليط متجانس من كل ذلك وهذا دور رئيس للولاية بمحلياتها المتعددة،إذ لابد من وجود إدارة للهوية البصرية وضبط الجودة في كل رئاسة محلية إن لم يكن في كل وحدة إدارية،يتم بواسطتها وضع التصميمات والمعايير للهوية وتشكيل فرق لإنفاذها على كافة المرافق والتشدد مع من يخالف هذه المعايير بتطبيق نظام تراخيص صارم يضمن مواءمة واجهة أي محل جديد مع هوية المدينة قبل افتتاحه رسمياً مع الغرامات العالية وبالمقابل تحفيز وتقديم التسهيلات الإدارية للمحلات التي تلتزم بالهوية البصرية مثل الإعفاء من بعض الرسوم أو تسليط الضوء على المحل في منصات المدينة السياحية.
ذات الأمر ينطبق على بقية الولايات،كل ولاية تصمم هويتها حسب ما يميزها مع الإرتباط بالهوية الجامعة لكل البلاد،حتى لا تكون الهوية البصرية للمدن في السودان مطية الأمزجة والإجتهادات الشخصية،فالأمر سيادي يبرز واجهة البلاد وكل الدول حول العالم لا تتهاون في أمر هويتها،فهي أساس النظام الذي يضبط الإيقاع العام في حركات الناس وسكونهم.