أخبار عاجلةمقالات

الحوار الوطني … حين يكون الاختلاف طريقاً إلى التوافق

 

رغم أنني لم أحظي بدعوة كريمة من المنظمين لمنصة الحوار الوطني الإن الواجب يحتم علي بصفتي كاتب رأي أن ادلي بدلوي و لأن أمر الوطن يهم الجميع … نسأل الله أن يتقبل الشهداء و يشفي الجرحي و ينصرنا علي القوم البغاء الغزاة ..
لم يكن الحوار في القرآن الكريم مجرد وسيلة لعرض الأفكار أو إقناع المخالف وإنما جاء منهجاً أصيلاً في بناء الإنسان، وتقويم الفكر، وإدارة الاختلاف، وإقامة الحجة بالحكمة، وبناء العلاقات على أساس من الاحترام والعدل .
فالقرآن الكريم لم يلغِ الاختلاف بين الناس ولم يجعل التباين في الرؤى سبباً للخصومة الدائمة، وإنما علّم الإنسان كيف يختلف، وكيف يستمع، وكيف يحاور وكيف يبحث عن الحق بعيداً عن التعصب والهوى ، ومن يتأمل القرآن يجد أن الحوار حاضر في مواضع كثيرة حواراً بين الأنبياء وأقوامهم وحواراً بين الإنسان ونفسه وحواراً بين أصحاب الرؤى المختلفة وفي كل ذلك درس عظيم في أن الكلمة يمكن أن تكون جسراً يعبر عليه المختلفون إلى مساحة مشتركة ، يقول الله تعالى: ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) .
فحتى الجدال، وهو في أصل طبيعته قائم على الاختلاف لم يتركه القرآن بلا ضابط وإنما وضع له أخلاقاً: ( الحكمة، والموعظة الحسنة، والتي هي أحسن ) وهنا يكمن جوهر الحوار الوطني .
فالحوار الوطني لا يعني أن يتفق الناس في كل شيء، ولا أن تتطابق أفكارهم ومواقفهم، وإنما يعني أن يجد المختلفون مساحة يتحدثون فيها دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، وأن يبحثوا عن القاسم المشترك الذي يحفظ الوطن من التمزق .
ورسالتي الي الذين يهيئون البيئة للحوار أو الذين يجلسون علي منصة الحوار ، أن يختاروا القوي الأمين و أن لا يعيدوا السودان الي المربع الأول و تجريب المجرب يجب أن يكون صاحب الكفاءة هو الأجدر بقيادة هذه البلاد من اي موقع و لا نساويه بالأبكم .
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) “النحل: 76”
القرآن الكريم كتاب تدبر وبصيرة لذلك يضرب الأمثال للناس لعلهم يعقلون ويتفكرون ، يقول سبحانه: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ومن بين هذه الأمثال القرآنية البليغة
يضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لرجلين أحدهما أبكم، لا يقدر على شيء اي لا يستطيع أن ينفع نفسه ولا غيره وهو عبء على من يتولى أمره، أينما يوجهه لا يأتي بخير ، وفي المقابل رجل سليم، يأمر بالعدل، ويسير على صراط مستقيم ، فهل يستويان؟
إنه استفهام إنكاري تقريري، يقرر بوضوح أن العاجز لا يستوي مع القادر، وأن من لا يستطيع أن يقدم خيراً لا يستوي مع من يأمر بالعدل ويسير في الطريق المستقيم .
وإذا كان السياق القرآني قد ضرب هذا المثل لإبطال الشرك وبيان بطلان التسوية بين المخلوق العاجز والخالق القادر، فإن في المثل نفسه درساً عظيماً في حياة الناس وإدارة شؤونهم: ليس كل من تصدّر للمشهد قادراً على حمل الأمانة، وليس كل من امتلك الاسم أو النفوذ صالحاً للمسؤولية .
وهنا يصبح السؤال القرآني حاضراً في واقعنا هل يستوي القادر بالعاجز؟ وهل يستوي من يأمر بالعدل بمن لا يستطيع أن يقدم للوطن خيراً؟
السودان اليوم يمر بمنعطف بالغ الخطورة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ،إلى الكفاءة، والخبرة، والنزاهة، وأصحاب الضمائر الحية ، فالأوطان لا تُدار بالشعارات وحدها ولا بالمحاصصات ولا بمجرد الانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك، وإنما تُبنى بالكفاءات التي تعرف ماذا تفعل، وبالرجال والنساء الذين يحملون الأمانة ويضعون مصلحة الوطن فوق مصالحهم الخاصة ، ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي تكليف أو اختيار هو: هل يستوي من يملك القدرة على الإنجاز بمن أثبت عجزه؟
لا ينبغي أن نعيد إنتاج المشاهد ذاتها ثم ننتظر نتائج مختلفة، وإذا كانت تجارب سياسية وحزبية سابقة قد كشفت عن إخفاقات في إدارة مؤسسات الدولة، فإن الحكمة تقتضي أن نتعلم من التجربة، لا أن نكررها ، فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير الوجوه لمجرد انتمائها السياسي، وإنما يحتاج إلى إعادة الاعتبار للكفاءة والضمير والاستقامة والقدرة على العمل ، و هنالك مثل قرآني آخر أكثر وضوحاً في سورة النحل، يقول فيه سبحانه وتعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) “النحل 75”
إن الآية تضرب مثلاً بعبد مملوك لا يقدر على شيء، في مقابل من رزقه الله رزقاً حسناً، فهو ينفق منه سراً وجهراً والمقصود الأصلي في سياق الآيات بيان بطلان التسوية بين العاجز الذي لا يملك شيئاً وبين القادر المنعم، وإقامة الحجة على المشركين ، لكن القرآن الكريم يفتح أمام المتدبر أبواباً واسعة من العبر ومن هذه العبر أن القدرة إذا اقترنت بالأمانة أصبحت عطاءً وأن المال إذا اقترن بالوطنية و المسؤولية تحول من مجرد ثروة إلى وسيلة للبناء .
وهنا نلمس واقعاً آخر من واقع السودان ، هناك من ربط قراره وإرادته بأجندات خارجية حتى أصبح لا يملك من أمره شيئاً وهناك من يملك استقلال قراره ويجعل مصلحته الأولى وطنه وشعبه، وهناك مال يأتي بوصفه أداة للضغط والإملاء، ومال وطني يستثمر في الأرض والإنسان والإنتاج، ويُسخّر لخدمة المجتمع وبناء الدولة ، وهل يستويان؟
ليس المقصود أن كل مال أجنبي مذموم، ولا أن كل مال وطني صالح بالضرورة فالمعيار هو الغاية والمصدر والأثر والاستقلال في القرار ، فالمال يصبح خطراً حين يتحول إلى وسيلة لشراء الإرادة، كما يصبح نعمة حين يُسخّر في البناء والإنتاج وخدمة الناس ، والأمة التي تفقد استقلال قرارها لا تستطيع أن تبني دولة مستقلة الإرادة ، السودان يحتاج إلى من يملك قراره .
لقد علمتنا السنوات الماضية أن الوطن لا يحتمل كثيراً من التجارب الفاشلة، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل مختلف في إدارة الدولة عقل يضع الكفاءة قبل الولاء والمصلحة العامة قبل الخاصة والإنجاز قبل الشعارات .
نحتاج إلى من إذا كُلّف أنجز، وإذا اؤتمن حفظ، وإذا حكم عدل، وإذا امتلك أعطى، وإذا اختلف لم يخن، وإذا اختلف معه الآخرون لم يجعل الوطن ساحة لتصفية الحسابات.
نحتاج إلى أصحاب الضمائر الحية، وإلى الذين يرون المنصب تكليفاً لا تشريفاً، والأمانة مسؤولية لا غنيمة.
ولعل أجمل ما في المثلين القرآنيين أنهما لا يتركان لنا مساحة كبيرة للخلط بين الأشياء: العاجز ليس كالقادر، ومن يأمر بالعدل ليس كمن لا يأتي بخير، ومن يملك قراره ليس كمن أصبح رهينة لغيره.
ومن هنا، فإن السؤال القرآني ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ ليس سؤالاً عابراً؛ إنه دعوة إلى التمييز بين الأشياء، وإلى وضع كل إنسان في موضعه، وكل قدرة في مكانها، وكل مال في وجهته، وكل مسؤولية في يد من يستطيع حملها .
فليكن اختيارنا في السودان قائماً على القدرة والأمانة والعدل والاستقلال وحسن العطاء؛ لأن الوطن في هذه المرحلة لا يحتمل أن يُدار بمن لا يستطيع أن يأتي بخير.
إن القرآن الكريم حين علّمنا الحوار، لم يكن يعلمنا مجرد فن الكلام، وإنما كان يعلمنا كيف نعيش مع الاختلاف دون أن نفقد إنسانيتنا، وكيف نبحث عن الحق دون أن نهدم جسور الأخوة، وكيف نجعل من الكلمة طريقاً إلى الإصلاح لا شرارةً للخصام ، ولذلك فإن الحوار الوطني في السودان ينبغي أن يكون حواراً تُحرسه القيم قبل القوانين، ويقوده العقل قبل الانفعال، وتحكمه مصلحة الوطن قبل المصالح الخاصة .

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى