أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. تأشيرة البرهان المحجوبة.. واشنطن تمارس الابتزاز الدبلوماسي

 

نقلت وكالة “رويترز” عن سفير السودان لدى الأمم المتحدة “الحارث إدريس” أن الولايات المتحدة الأمريكية تمنعت حتى صباح الثلاثاء عن إصدار تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والوفد المرافق له، قبل (48) ساعة فقط من موعد كلمته المقررة (الخميس 24 سبتمبر الجاري) أمام الدورة (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة.

الرسالة التي وجهها السفير بتاريخ (21 سبتمبر) إلى الأمين العام “أنطونيو غوتيريش” كانت حادة في لغتها القانونية وقالت بالنص إن استمرار عدم إصدار التأشيرة قد يؤدي عمليََا إلى منع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصيََا في أعمال الجمعية العامة وتمثيل بلاده وإن الوفد السوداني استوفى الإجراءات والشروط المطلوبة للمشاركة في الأسبوع رفيع المستوى وكان مقررََا أن يقود البرهان الوفد ويلقي كلمة السودان (الخميس 24 سبتمبر).

وقد أعلن المتحدث باسم الأمين العام “ستيفان دوجاريك” أن غوتيريش قلق بشدة بشأن عدم إصدار التأشيرة، وأن أمانة الأمم المتحدة أثارت المسألة فورََا مع السلطات الأمريكية وتواصل اتصالاتها معها وهذه ليست شائعة، بل خرق موثق لاتفاقية المقر الموقعة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة سنة (1947م) التي تلزم واشنطن بتسهيل دخول ممثلي الدول الأعضاء بغض النظر عن علاقاتها الثنائية.

وكشفت رويترز أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطََا بموافقة البرهان على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة (90) يومََا، طرحه “مسعد بولس” كبير مستشاري الولايات المتحدة الأمريكية للشؤون العربية والأفريقية، وأن الجيش السوداني أبدى تحفظات على المقترح خلال الصيف وخرج البرهان نفسه الاثنين بمقال في مجلة “فورين بوليسي” قال فيه إن وقف إطلاق النار السابق في السودان سمح لقوات الدعم السريع وداعميها بإعادة تنظيم صفوفها مؤكدََا رفضه ما وصفه بالإملاءات الخارجية بشأن الحرب وفي ذات السياق تتصاعد أزمة أخرى بين واشنطن والخرطوم حول مقترح أمريكي لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل بقية أنحاء السودان.

إذََا نحن لسنا أمام رفض تأشيرة لأسباب أمنية أو فنية، بل أمام استخدام التأشيرة كورقة تفاوضية، وهو ما يفسر العبارة التي استخدمتها صحف سودانية: “تأشيرة مقابل هدنة”.

هنا تكمن المفارقة التي أشعلت مواقع التواصل الإجتماعي،حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي وصل إلى نيويورك ضمن وفد رئيس مجلس السيادة للمشاركة في اجتماعات رفيعة المستوى تعقد على هامش أعمال الجمعية العامة وذلك منذ (19 سبتمبر 2026م) وترأس مع وزير الخارجية السفير “محي الدين سالم” جلسة حوار تفاعلي مع شركاء الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة ضمت وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية “توم فليتشر” والأمين العام للمنظمة الدولية للهجرة ومديرة اليونيسف،مناوي حصل على تأشيرته مبكرََا كعضو وفد رسمي وليس كرئيس حركة مسلحة، بل بصفته حاكم إقليم دارفور.

أما الدكتور عبد الله حمدوك فقد وصل إلى نيويورك أيضََا على رأس وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، والتقى نائبة الأمين العام للأمم المتحدة “أمينة محمد” الأحد في مقر المنظمة على هامش اجتماعات الجمعية العامة، في لقاء بحث تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات،دخول حمدوك لا يعني اعترافََا به كرئيس حكومة، بل كطرف مدني يمثل تحالف صمود.

من الناحية القانونية، الولايات المتحدة لا تزال تعترف بالسودان كدولة عضو، والبرهان ظل يلقي كلمة السودان منذ (2021م) وحتى العام الماضي، لكن ما حدث هذه المرة يتجاوز سحب الشرعية السياسية إلى منع التمثيل المادي وهو ما لم يحدث حتى مع قادة دول مصنفة كخصوم.

هذه سابقة خطيرة، لأنها تحول اتفاقية المقر من التزام قانوني إلى أداة عقابية،لذلك كان احتجاج السودان ذكيََا عندما استند إلى الاتفاقية وليس إلى العلاقة الثنائية ووضع الأمم المتحدة نفسها في موقف المدافع عن حقها في الانعقاد.

ما ستؤول إليه الأحوال يشير إلى ثلاثة سيناريوهات واقعية، الأول أن تتدخل الأمانة العامة وتنتزع التأشيرة في اللحظات الأخيرة كما حدث سابقََا مع قادة دول أخرى ويصل البرهان ويلقي خطابََا أكثر حدة والثاني أن يستمر المنع فيضطر السودان لإلقاء كلمته عبر “الفيديو كونفرنس” أو عبر وزير الخارجية، وهذا سيحوله إلى بطل سيادي في الداخل ويحرج واشنطن أمام العالم كدولة مضيفة تمنع رئيس دولة من الكلام عن أكبر أزمة إنسانية في العالم والثالث والأخطر أن يكون هذا المنع مقدمة لخطة بديلة تتحدث عنها تسريبات نيويورك وهي فرض هدنة طويلة ومسار سياسي بقرار دولي إذا رفض الجيش التوقيع.

في كل الحالات، منع البرهان لم يلغ حكومة السودان، بل كشف حجم المأزق الأمريكي نفسه، فهي تريد وقف الحرب عبر الرباعية، لكنها في نفس الوقت تستخدم أقسى أدواتها ضد الطرف الذي تطلب منه وقف الحرب، بينما تفتح أبوابها لمعارضيه وحلفائه في نفس المدينة وفي نفس الأسبوع وهذا تناقض لا يبني سلامََا بل يعمق الأزمة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى