أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. حكومة الامل على طاولة المراجعة..تعديل واسع يطرق أبواب الخرطوم

 

التعديل الوزاري المرتقب في حكومة السودان والذي تتحدث عنه مصادر متقاطعة مقربة من مجلس السيادة ورئاسة الوزراء، لا يمكن قراءته كإجراء إداري معتاد، بل كمحاولة لإعادة ضبط التوازن في لحظة شديدة الحساسية،فبعد نحو خمسة عشر شهرََا من تشكيل حكومة الأمل برئاسة البروفيسور كامل إدريس، التي جاءت في سياق الحرب وما خلفته من فراغ مؤسسي، تراكمت مؤشرات تشي بأن هذه الحكومة لم تتمكن من ترجمة شعاراتها إلى سياسات ملموسة، لا سيما في الملفات ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين، من تدهور العملة إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الخدمات الأساسية وهو ما دفع مجلس السيادة إلى التدخل المباشر عبر لجنة عليا لمعالجة الأوضاع الاقتصادية ترأسها عضو المجلس الفريق إبراهيم جابر وكلفت بمهام تتجاوز صلاحيات الوزارات المعنية، من ضبط أسواق الذهب إلى تحصين العملة الوطنية.

ما رشح حتى الآن من معلومات، نقلته “الجزيرة نت”، يشير إلى أن التعديل سيكون واسعََا ويشمل معظم الحقائب، مع استثناء محدود لوزراء يحملون حقائب فنية بطبيعتها كالصحة والعدل والتعليم العالي والتحول الرقمي وفي رواية أخرى أكثر تفصيلََا، فإن التعديل سيشمل ست حقائب على الأقل إضافة إلى تعيين وزير لشؤون مجلس الوزراء خلفََا للدكتورة لمياء عبد الغفار، وتسمية وزير للبيئة ظل المنصب شاغرََا منذ التشكيل الأول،هذا التباين في الأرقام لا ينفي جوهر الفكرة وهي أن المراجعة ليست جزئية ولا شكلية، بل هي أقرب إلى إعادة تشكيل ثانية للحكومة.

غير أن البعد الأكثر تعقيدََا في هذا التعديل لا يتصل بالأسماء بقدر ما يتصل بالحصص السياسية،فاتفاق جوبا لسلام السودان الموقع عام (2020م) منح الحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق(25%) من مقاعد مجلس الوزراء، وهي تشغل حاليََا وزارات سيادية وخدمية مؤثرة كالمالية والمعادن والحكم الاتحادي والبنية التحتية والموارد البشرية وأي تعديل يمس هذه الحقائب لا بد أن يمر عبر مشاورات سياسية معقدة مع قادة تلك الحركات وهو ما أكدته المصادر حين تحدثت عن مشاورات يجريها رئيس الوزراء مع هذه الأطراف لإعادة توزيع مواقعها ونقل بعض وزرائها إلى حقائب أخرى وتداولت أوساط إعلامية في هذا السياق احتمال نقل وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم إلى وزارة النفط والطاقة،في خطوة إن صحت ستكون لها دلالات اقتصادية وسياسية كبيرة، لما تمثله وزارة المالية من مركز ثقل في القرار الحكومي.

ويأتي ذلك كله في وقت يطرح فيه مجلس السيادة أجندة أوسع تتجاوز تغيير الأشخاص وتشمل أفكارََا لدمج وزارات متقاربة المهام كالزراعة والري والثروة الحيوانية وإلغاء مناصب المستشارين لتقليص الترهل الإداري وتقييم أداء ولاة الولايات، بل والحديث عن تشكيل مجلس تشريعي قومي ومجلس لصياغة الدستور وهي أفكار إن اجتمعت تشير إلى أن ثمة اتجاهََا لإعادة هندسة بنية الحكم نفسها، لا مجرد ترميمها.

من هنا فإن السؤال الحقيقي ليس من سيغادر ومن سيبقى، بل ما الذي سيتغير في السياسات،فالشارع السوداني المنهك بتداعيات الحرب والنزوح، لا ينتظر بيانََا وزاريََا جديدََا بقدر ما ينتظر انفراجة في سعر الخبز وتوفر الدواء واستقرار الكهرباء والتعديل إن بقي محصورََا في إعادة توزيع الحصص بين المكونات السياسية دون أن يمس جوهر الأداء، فإنه سيعيد إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه مختلفة، وسيؤكد أن المشكلة ليست في الأفراد بل في غياب رؤية اقتصادية واضحة وآلية محاسبة شفافة،أما إن استطاع أن يضخ دماء جديدة ذات كفاءة ميدانية وقدرة على اتخاذ قرارات غير شعبوية، فقد يمنح حكومة كامل إدريس فرصة ثانية لاستعادة شيء من الثقة المفقودة ويفتح الباب أمام حوار سوداني أكثر واقعية حول إدارة ما بعد الحرب.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى