أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. ذكرى الشريعة الخالدة..حين استعاد أهل السودان هويتهم

 

تمر علينا هذه الأيام ذكرى عزيزة على قلب كل سوداني،ذكرى بداية تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر من عام (1983م) وتحديدََا في يوم (8 سبتمبر 1983م)،حيث صدرت المراسيم الأولى ودخلت حيز التنفيذ الفعلي اعتبارََا من (14 سبتمبر 1983م).

ما زال الكثيرون يذكرون ذلك اليوم وكأنه بالأمس ومن نعم الله سبحانه وتعالى علينا أن كنا من شهود تلك اللحظات التاريخية، يوم خرجت المسيرات المليونية في الخرطوم وأمدرمان ومدني وكسلا وبورتسودان والأبيض وغيرها من المدن والقرى السودانية، لا يدفعها أحد ولا تنظمها جهة، بل خرجت عفوية تهتف: (لا ولاء لغير الله ولا بديل لشرع الله والقرآن دستور الأمة) ، كانت الجموع تبكي فرحََا وتسجد شكرََا، فقد أحست لأول مرة بعد استقلال البلاد في (الأول من يناير 1956م) أنها نالت استقلالها الحقيقي،لقد كان تطبيق الشريعة هو حلمهم الذي انتظروه طويلََا ليتحقق وأشواقهم التي ظلت حبيسة الصدور منذ أن فرض عليهم قانون العقوبات الإنجليزي لسنة (1925م) وأمانيهم التي كانوا يرددونها في المساجد أن يحكموا بما أنزل الله وتحضرني هنا ذكريات طيبة،ففي يوم المسيرة المليونية التي خرجت فرحََا وابتهاجََا بهذا الحدث العظيم،أن سرنا وسط الجموع الحاشدة وأنا الصبي اليافع تلميذ الصف الأول بالمرحلة المتوسط بمعية والدي رحمه الله وجعل الفردوس نزله وقد كانت بداية تحركنا من ميدان البوستة في أمدرمان،نهتف بحماس حتى وصلنا القصر الجمهوري في الخرطوم مرورََا بمجلس الشعب (المجلس الوطني حاليََا)،كل تلك المسافة قطعناها ولم نحس بتعب أو عطش فقد كانت المعنويات في قمة سموها تناطح السحاب،لذا لم نشعر بتعب الأجسام وكم كانت لحظات خالدة أن شاهدنا الرئيس الراحل “جعفر محمد نميري” رحمه الله وهو يقف بشموخ وهيبة على منصة عالية بالقرب من البوابة الجنوبية للقصر الجمهوري،ملوحََا بعصاه للجماهير التي كانت تهدر كالسيل العرم،نسأل الله العلي القدير أن يجعل قرار تطبيق الشريعة الإسلامية في ميزان حسناته وسببََا في دخوله الجنة.

لم يكن هذا الفرح من فراغ، فمن عاش تلك الفترة يدرك حجم التفسخ الذي كان سائدََا، فقد كانت الدولة نفسها ترخص الفساد بالقانون،كانت بيوت البغاء مرخصة من وزارة الداخلية وبكشف طبي رسمي لممارسات أقدم المهن أكرمكم الله وكان من المشاهد المقززة والمستفزة التي لا ينساها أهل العاصمة الخرطوم وعديد المدن السودانية، أن طوابير مرتادي بيوت البغاء كانت تصطف في صفوف علنية على قارعة الطريق أمام أعين الأسر المحافظة وهي في طريقها للمدارس والأسواق، في منظر يخدش الحياء العام ويكسر كرامة المجتمع وكانت البارات والخمارات التي تجاوز عددها أربعمائة بار في العاصمة وحدها تبيع الخمور علنا حتى في نهار رمضان وكان النظام الربوي يمتص دم الفقراء،بل تدخل ضرائب بيوت البغاء ومصانع وحوانيت الخمور،كانت تدخل في ميزانية الدولة فتنزع بركة المال.

إننا إذا رجعنا إلى أصل البلاء لوجدنا أن الاحتلال البريطاني هو من أسس لهذا المسخ، فالتقارير المالية والإدارية السنوية التي كانت حكومة السودان الإنجليزي ترفعها إلى لندن تذكر بصراحة أنها استقطبت دعمََا ماليََا خاصََا من ميزانية المستعمرات وشركات القطن لإنزال مظاهر المدنية الغربية في السودان، فبنت صالات الرقص المختلط ونوادي القمار والبلياردو والخمر للموظفين الإنجليز ثم عممت نموذجها على السودانيين ورخصت دور الدعارة والبارات كجزء من مقتضيات التحضر،كما أوهموا الناس بذلك وأسست البنوك الربوية كبديل لنظام المعاملات الإسلامية.

لذلك حين صدرت قوانين الشريعة الإسلامية عام (1983م) وأعلن الرئيس جعفر نميري إلغاء القوانين الوضعية وإقامة الحدود وإغلاق دور الخمر والدعارة، شعر السودانيون أن صفحة سوداء من تاريخ بلادهم قد طويت وأنهم تخلصوا من الإرث الاستعماري البغيض وأن الدولة عادت أخيرََا إلى حضن مجتمعها وأن شارعهم تطهر من صفوف الفاحشة وروائح الخمر وأن اقتصادهم سيتطهر من الربا بميلاد البنوك الإسلامية وبتفعيل ديوان الزكاة ولهذا خرجت تلك الجموع المليونية التي لم تشهد لها الخرطوم مثيلََا،تكبر وتهلل لأنها رأت في الشريعة الإسلامية استقلالها الحقيقي وهويتها التي سلبت منها منذ (1898م).

إن أعظم إنجاز لتطبيق الشريعة الإسلامية في السودان،أن جعلت الأجيال التالية تعيش في أجواء معافاة،فلم يتلوث بصرهم بمشاهد المعاصي جهارََا نهارََا،نعم لم يعيشوا في مدينة فاضلة،فالفساد موجود في كل زمان ومكان ولكنه صار مستترََا مستحيََا متخفيََا لا يقره قانون ولا عرف،”إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى