*د.محمد بشير عبادي يكتب..(٩طويلة) والخروج من الخدمة*

#لاهوادة:
نطالع يوميا على الأسافير أخبارا ومقاطع فيديو تظهر إعتداءات عصابات النهب والسرقة التي عرفت بإسم (٩ طويلة) وكل يوم يزداد الحال سوءا حتى وصل الأمر إلى إحتراف البعض لهذه الطريقة في النهب وصارت مهنة وعملا لهم يكسبون منه الأموال الطائلة على حساب أمن الناس وطمأنينتهم، بل وحياتهم فكثير من الأرواح أزهقت أثناء مقاومة هؤلاء النهابون.
إن السبب في إستفحال هذه الظاهرة هو “الأمن” من العقاب، فعلقية المجرم المعتدي غير سوية لا تتعظ بما يقوله الوعاظ ولا بأي أسلوب مثالي يتلاءم مع الأسوياء، لذلك تجدهم يفعلون أفاعيلهم وهم في غاية الإطمئنان حد البرود، فمن أمن العقاب ساء الأدب، بل صار الأسوياء سلبيون للدرجة التي انحبس فيها بعض الناس في بيوتهم خشية هؤلاءالقوم، فبردت الهمم والنخوة وحب النجدة، فهؤلاء النهابون لهم أساليبهم في حماية أنفسهم عبر عمل إجرامي جماعي، فلطالما خرج عدد منهم من مخابئهم حاملين لأسلحتهم البيضاء والنارية معتدين على أفراد حاولوا مقاومتهم.
للقضاء على هذه الظاهرة والتي هي ليست بالجديدة، بل موجودة في كل العالم بأشكال مختلفة، للقضاء عليها، يجب التعامل معها بصورة حاسمة وحازمة من خلال قانون رادع يعاقب عقابا مشهودا، “تفعيل الحدود”، فعندما أمر الشارع بقطع يد السارق وقطع الأيدي والأرجل من خلاف والقتل حدا، لم يكن ذلك عبثا ولكن لإخراج ذاك الممتهن للمهنة الحرام من “الخدمة” وذلك بإحداث عاهة له أو قتله حتى لا يعود للإجرام ولأذية الناس مرة أخرى، لابد من تعطيل المجرم، فالسجن وحده لا يكفي وكذلك التعزيز بكافة أشكاله، لا بد من إقامة الحد وفي مكان عام لترويع وإخافةالمجرمين الآخرين أو من تسول له نفسه للسير في طريق الإجرام (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة/ 33).
إن ما يقوم به بعض الشباب الشجعان في التصدي لهذه العصابات المسلحة،يصب في إتجاه تعطيل هؤلاء القوم وإخراجهم من هذه “الخدمة” الحرام، لقد أعاد هؤلاء الشباب النخوة والشجاعة وكل قيم السوداني النبيل بعد أن كاد يفقدها، بالمقابل لا نود أن يأخذ كل واحد منا القانون بيده فيصبح الأمر فوضى ويتصارع الناس في الشوارع وربما تتطور الأمور لا قدر الله إلى حرب أهلية، لأن هذا الدور في الأساس هو دور السلطة الحاكمة التي بيدها السلطان بكافة أدواته الكفيلة بالردع.
إذا خرج المجرم من “الخدمة”، حدا فلن ترى أعيننا بعد اليوم فتاة تسحل على الأرض وهي قابضة بيدها على حقيبتها التي تحوي مقتنياتها المتواضعة ولن نشهد إغتيال شاب في شارع عام لأجل هاتفه المحمول.
أين المنظمات التي أصمت آذاننا بزعيقها وهي تتحدث عن الإنسانية، أين هي؟ عندما كانت تنشر صور الذين أقيمت عليهم الحدود الشرعية قبلا، منددة بتطبيقها في دفاع مقيت عن الجناة وليس المجني عليهم، وراء لافتة حقوق الإنسان، لما سكتت أصواتهم وحرائر السودان يسحلن على الأرض؟ ، لا لذنب جنينه سوى أنهن يعشن في بلد يراد له أن تتبدل قيمه ليصير الجاني ضحية والعكس، قال تعالى مخاطباً مَن يفهمون حقيقة التشريع وعمقه وأبعاده: (يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، أي فكِّروا بهذا التشريع الرباني الحياتي الذي ترجح فيه المصلحة على المفسدة، ويقره العقل إذا تخلى عن المؤثرات الخارجية.