أخبار سياسيةأخبار عاجلة

“رقيب في حضن المحروس…. هل تنقذ ‘مفوضية الشفافية’ السودان أم تستهلك رصيد رموزها؟”

 

تقرير:البلد نيوز
في خطوة وصفت بأنها محاولة لمعالجة واحدة من أخطر أزمات السودان، أُعلن عن تأسيس مفوضية للشفافية والنزاهة. لكن سرعان ما تصادمت هذه الخطوة مع تساؤلات جوهرية تطرحها بنية السلطة نفسها، قبل أن تصل إلى أداء المفوضية أو اختيار قياداتها.وأثار إعلان تشكيل “هيئة النزاهة والشفافية” بدلا من “مفوضية مكافحة الفساد” تساؤلات قانونية حول السند التشريعي لهذا المسمى الجديد، خاصة مع خلوه من النص الدستوري الذي أقرته الفترة الانتقالية.

معضلة “من يراقب المراقب”

يقول متابعون للشأن السياسي السوداني إن أول شروط الشفافية وجود سلطة تخضع للمساءلة، وأول شروط النزاهة وجود مؤسسات مستقلة، وأول شروط المحاسبة وجود قانون أعلى من الجميع. لكن الواقع السوداني الراهن يبدو مختلفاً تماماً، حيث تتركز السلطات التنفيذية والتشريعية وأجزاء واسعة من منظومة الدولة تحت إرادة مركز قرار واحد.

هنا يبرز السؤال الأصعب: كيف يمكن لمفوضية أن تراقب السلطة وهي تستمد وجودها من السلطة نفسها؟ وكيف يمكن لها أن تحقق استقلالها بينما مرجعيتها النهائية هي الجهة التي أنشأتها؟

عندما يصبح المنصب واجهة لا سلطة

يشير مختصون في علم النفس السياسي إلى ظاهرة معروفة، وهي أن الألقاب والمناصب قد تمنح الإنسان شعوراً بأنه ما زال قادراً على التأثير والإصلاح، حتى عندما تكون أدوات الإصلاح الحقيقية غائبة أو محدودة. وهنا يتحول المنصب في بعض الأحيان إلى رمز أكثر من كونه سلطة فعلية، وواجهة أكثر من كونه مؤسسة قادرة على إحداث التغيير.

لذلك، يرى مراقبون أن السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: ماذا سيمنح المنصب لرئيس المفوضية؟ بل: ماذا سيقدم رئيس المفوضية لهذا المنصب؟ وهل يملك الأخير المقومات القانونية والمؤسسية التي تجعله قادراً على تحقيق ما يوحي به اسمه؟

التأسيس الحقيقي يبدأ بالقانون لا بالمكاتب

يشدد محللون سياسيون على أن مرحلة التأسيس هي أخطر المراحل في حياة الدول. لكن التأسيس الحقيقي لا يبدأ بالمكاتب والسيارات والمخصصات والألقاب، وإنما يبدأ ببناء الشرعية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات. فهذه هي الأرض التي تنبت فيها الشفافية، أما خارجها فإن المفاهيم الكبيرة تتحول بسهولة إلى شعارات أكبر من الواقع الذي تحمل اسمه.

اختبار أخلاقي أم استهلاك للرصيد؟

يرى كثير من السودانيين أن قبول منصب في مفوضية من هذا النوع لا ينبغي النظر إليه بوصفه إضافة لمسيرة أي كان، بل كاختبار أخلاقي وفكري يتعلق بمعنى المشاركة نفسها. فهل وجود شخصيات ذات تاريخ مهني طويل يمنح المشهد شرعية إضافية، أم أن المشهد هو الذي يستهلك رصيد تلك الشخصيات ويضعه في خدمة واقع مختلف؟

الشفافية ليست لافتة على الأبواب

تؤكد رؤية تحليلية أوسع أن الشفافية ليست لافتة تُعلق على الأبواب، والنزاهة ليست اسماً يُمنح لمؤسسة بقرار إداري. بل هما ثمرة نظام قانوني متكامل يقوم على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وخضوع الحاكم والمحكوم للقواعد نفسها.

عندما يغيب القانون الذي يؤسس للمؤسسة، وتغيب الجهة التشريعية المستقلة التي تمنحها الشرعية، وتتركز السلطات كافة في يد جهة واحدة، فإن السؤال لا يعود عن كفاءة من يتولى المنصب، بل عن حقيقة المنصب نفسه.

مفارقة مؤلمة

تتجلى المفارقة في سؤالين محوريين: كيف تُنشأ مفوضية للشفافية في بيئة يختلف الناس حول شرعية مؤسساتها؟ وكيف تُرفع راية النزاهة قبل حسم السؤال المتعلق بمن يملك حق التشريع ومن يملك حق المحاسبة؟ ومن الذي يراقب المراقب إذا كان المراقب والمراقَب يقفان في نهاية المطاف تحت سلطة المرجعية ذاتها؟

خلاصة: ما لم تتوفر الشروط

يؤكد التاريخ أن المؤسسات لا تستمد احترامها من أسمائها، بل من الأساس الذي تقوم عليه. وقد تستطيع السلطة أن تمنح الأشخاص مناصب، لكنها لا تستطيع أن تمنح المفاهيم معناها الحقيقي. فالمعنى تمنحه القوانين العادلة، والمؤسسات المستقلة، والرقابة الحرة، وثقة الناس.

لهذا سيبقى السؤال قائماً، ليس حول من يرأس المفوضية، بل حول ما إذا كانت الشروط التي تجعل الشفافية ممكنة والنزاهة قابلة للتحقق موجودة أصلاً. فقبل الحديث عن مكافحة الفساد، لا بد من وجود دولة قانون؛ وقبل الحديث عن النزاهة، لا بد من وجود مؤسسات مستقلة؛ وقبل الحديث عن الشفافية، لا بد من وجود سلطة تقبل أن تُسأل وتُحاسب.

وما لم تتوافر هذه الشروط، فإن الخطر الأكبر ليس فشل المفوضية، بل أن تتحول الكلمات الكبيرة إلى مجرد أسماء جميلة تبحث عن واقع لا وجود له.

 

السند التشريعي لإنشاء “النزاهة والشفافية”: سد فجوة دستورية بقانون عادي

الفجوة الدستورية
تنص المادة (9) من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لعام 2019 (وتعديلاتها) صراحة على إنشاء “مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة”، دون أي ذكر لمصطلحي “النزاهة” أو “الشفافية”. هذا الغياب دفع مراقبين للتساؤل عن كيفية ظهور هيئة تحمل اسما مختلفا تماما عن النص التأسيسي الأعلى في البلاد.

قانون 2021 كحل تشريعي
لمعالجة هذه الفجوة، أصدر المشرع السوداني قانون مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة لسنة 2021. يعتبر هذا القانون هو السند الفعلي الذي أعاد هيكلة الجهاز الرقابي.

وبحسب ما أفادت به تقارير صحفية وقتها، فإن المجلس التشريعي المؤقت والسلطة التنفيذية رأت أن آلية عمل لجنة تفكيك نظام الرئيس المعزول تختلف عن عمل المفوضية، مما استدعى تدخلا تشريعيا لتحديد المهام بوضوح وإزالة أي تعارض، وهو ما تم عبر هذا القانون.

حقيقة المسمى الجديد
بالعودة إلى نصوص قانون 2021، يتبين أن المسمى القانوني الرسمي للجهاز يظل “مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة”. ويبدو أن مصطلحي “النزاهة والشفافية” هما وصفان لمهام المفوضية أو شعار عملها، حيث تهدف المفوضية إلى تعزيز قيم النزاهة والشفافية كوسيلة لمكافحة الفساد، وليس كمسمى بديل معترف به في النصوص التشريعية الصارمة.

بالتالي، فإن السند القانوني لوجود الجهة هو الوثيقة الدستورية (التي تنص على مكافحة الفساد)، بينما يتم تفصيل هيكلها وصلاحياتها ومهامها في قانون 2021، والذي يتم فيه التوسع في الحديث عن مؤشرات النزاهة والشفافية كأهداف يسعى القانون لتحقيقها.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى