رمضان محجوب يكتب.. (الرجل) الذي ابكانا رحيله

أنواء
ما أقسى الحروف حين تود تطويعها لنظم بعض الكلم فيمن يحتل مساحات
بدواخلك، فتنفر منك وتدعك تواجه حصار الأشجان والآهات وحدك.
قبل ثلاث سنوات من الان ، وأنا في طريقي إلى صحيفة (الصيحة) نعى إلي الأخ (منير حمد)
رحيل ابن أخته ورفيق طفولته وصباه وشبابه (صابر أحمد شمس الدين) .
في بداية (النعي) لم أستوعب الأمر بالرغم أن الموت (حق) وأعدت عليه
السؤال: هل مات (صابر)؟ فجاء التأكيد من (منير) بين آهات وأوجاع.
بعدها استرجعت (شريط) خمسة عشر عاماً جمعتني بصديقي وأخي صابر جواراً في
السكن وإخاءً في الله وصلة (نسب) اكتشفتها في اليوم الأول من تعارفي به.
نعمت بجوار صابر وأسرته الكريمة نحو خمسة أعوام لم أر منه ولا من
أسرتيه الصغيرة والكبيرة إلا كل خير، كان والده المرحوم (أحمد شمس الدين)
والد للجميع في الحي، مثلما كان جده شمس الدين (رحمه الله) والذي عاصرته
في آخر أيامه .
ومثلما هي أخلاقه وتعامله في الحي جاء تعامل صابر مع قبيلة
(الصحافيين) راقياً كرقيّه وخلقه الرفيع.
لم يفعل صابر شيئاً غير أنه نقل (موروثه) الأخلاقي الذي (أرضعته) أسرته
إلى مكان عمله في نيابة الصحافة، فكانت شهادة الجميع له بجميل الأخلاق
ونبلها.
في حضرة (صابر) يفر الوجل منك مثلما يفر منك كل (هاجس) رهبة الاتهام
الذي ينتابك من قضية تم فتحها في مواجهتك من قبل البعض .
كان (صابر) يحيل جلسة استجوابك إلى جلسة إنس تتمنى إلا تنقضي أبداً
لحلاوة أنسها وظرف (المتحري) الذي يستجوبك بطريقة (فريدة).
* رحل (صابر) جميل الروح للحد الذي جعل الأرض عاجزةً عن حمله، فخبأته داخلها.
يا صابر .. والله قد أوجعني رحيلك، ولم أجد أبلغ من قول أبي العلاء
المعري وهو يرثي صديقه حين قال: (إنّ حزناً في ساعة الموت أضعاف سرور في
ساعة الميلاد).
هكذا كان (صابر) كما قال صلاح أحمد إبراهيم (سمح النفس، بسّامِ
العشياتِ، وفي، حليمَ، عفّ، كالأنسامِ روحاً وسجايا أريحيِّ الوجه والكفّ
افتراراً وعطايا، فإذا لاقاكِ بالبابِ بشوشاً وحفي بضميرٍ ككتاب اللهِ
طاهرْ).
فحامت المنايا حوله واصطفته بعدما حامت حول الحمى واستعرضتنا فأنشبت
الاظفارَ في كتفِ (صابر) واختطفته.
يا صابر .. ما أقسى رحيلك علينا، وأنت الذي كنت تمشي بيننا (بسمة) في
(وش الزمان الشين) بل كنت بسمة (عريضة) رغم قسوة الظروف فكنت الملاذ
الذي نلجأ إليه في الحي حين تحاصرنا (الهموم)، والله أُشهد كنت خير
الجيران وخير الإخوان وخير الرجال.
ما أقساه من مشوار ذاك يمضيه دونك (أحمد صابر) وأشقاؤه سامر وأريج
ومحمد ووالدتهم الفاضلة (غادة) .
ما أثقلها خطى تلك التي يخطونها دونك هؤلاء (الصابرون) الذين أصابتهم
مصيبة (موتك)، بيد أن (استرجاعهم) سيعود (بشرى) ربانية بأن تغشاهم صلوات
ورحمة وهدى رباني.
اللهم إن عبدك (صابر أحمد شمس الدين) بين يديك فأبدله داراً خيراً من
داره وأهلاً خيراً من أهله وتجاوز عن سيئاته وزد في إحسانه واجعل قبره
روضة من رياض الجنة.. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ..