انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة الثانية والعشرون

مرافئ النجاة
■ لم تكن المسافة بين الدويم والمناقل، بمنظار الظرف الطبيعي والمساحة الجغرافية المعهودة، تمثل عناءً يُذكر، لكنها في تلك اللحظات اللاهبة من عمر الوطن بدت لنا وكأنها آلاف الكيلومترات التي لا تنتهي. كان الشوق يسابقنا لنصل إلى مدينة “مدني السني”، تلك البقعة التي كانت تمثل في مخيلتنا ساحل النجاة من أمواج الفوضى التي تلاطم الخرطوم، فكانت الأرض تتمدد تحت إطارات الحافلة كأنها تأبى أن تُطوى، والقلوب تخفق مع كل ميل نقطعه نحو الشرق، حيث السكينة التي افتقدناها طويلاً خلف سحب الدخان والبارود.
■ كانت قرى وحواشات المناقل، بترعها المنسابة وجغرافيتها الرتيبة الصامتة، تتشابه تماماً في تفاصيل التضاريس والإنشاء، وحتى إنسانها الصابر المكافح يكاد يتشابه في تجليات الملامح السودانية الأصيلة. والحافلة تمضي بنا وهي تئن في صمت الخبير، لا تضج بالشكوى ولا تعلن الاستسلام رغم قسوة الطريق الزراعي الوعر، وكأنها تدرك ثقل الأرواح التي تحملها، فتمضي برفق مشوب بالحذر وسط تلك المساحات الخضراء التي كانت تشهد على قصة صمود إنسان هذه الأرض في وجه النسيان والانهيار.
■ احتوانا الليل كلياً بظلامه الدامس، قبل أن تلوح لنا من بعيد أنوار مصانع مدينة المناقل، تلك الأضواء التي بدت كأنها منارات تهدي التائهين في لجة التيه، معلنةً دخولنا إلى منطقة كُتب عند مداخلها بمداد العزة ألا يدخلها متمرد قط. وقد كان ذلك الوعد حقاً حين انتشر سرطان المليشيا لاحقاً في قرى ومدن الجزيرة، ولكنه انكسر عند عتبات المناقل وصخور صمودها، فلم يجد إليها سبيلاً، وظلت المدينة عصية على الانكسار، تقف كطود شامخ يحرس مداخل الولاية ويمنحنا شعوراً بالطمأنينة افتقدناه منذ غادرنا ديارنا مرغمين.
■ تركنا المناقل خلفنا واتجهت بنا الحافلة شرقاً نحو مدني، عابرةً القنوات المائية والجسور العتيقة التي لم تكن مجرد ممرات للماء، بل شواهد حية على إهمال المركز الطويل لمشروع كان يمثل عصب الاقتصاد الوطني وقلبه النابض. كانت تلك الجسور تحكي قصة الانهيار الصامت، وكيف نالت خلافات السياسة من عظمة هذا المشروع، وحدت من تطوره الذي كان كفيلاً بأن يطعم القارة بأكملها، لكنه صار الآن مجرد خلفية لمسيرة نزوح حزينة تئن تحت وطأة الإهمال والنسيان الطويل.
■ تشابه القنوات وتعدد المسارات في ذلك الليل البهيم، أدخلت سائق الحافلة في متاهاتها العميقة؛ فبعد مسيرة ساعة، اكتشفنا بمرارة أننا سلكنا طريقاً لا يؤدي إلى مدني، لولا عناية الله التي قيضت لنا أحد المواطنين، ممن يملكون خبرة الطرق بالفطرة، ليرشدنا بيقين الصادقين إلى المسار الصحيح. هذا الضياع الليلي لم يكن مجرد خطأ في الاتجاه، بل كان انعكاساً لحالة التيه الكبرى التي يعيشها الوطن، حيث تختلط الدروب وتتشابه الوجوه في عتمة الأزمة التي ضربت مفاصل الدولة السودانية.
■ الصمت الذي ساد داخل الحافلة كان أبلغ من أي خطاب، فكل وجه كان يحمل وراء ملامحه قصة بيت تُرك للنهب، أو ذكريات دُفنت تحت الركام. كنا نبحث عن موطئ قدم في مدينة مدني التي عرفت تاريخياً بأنها ملاذ الأدباء ومركز الاستنارة، فكانت الحافلة تمثل السودان المصغر بكل تنوعه وجراحه. وبين عتمة الحواشات وبريق مدني، كان طفل في المقعد الخلفي يسأل أمه بصوت خفيض عن ألعابه، في مشهد جسد حقيقة أننا كنا نعبر جسراً مهتزاً بين حياة ذبحت في الخرطوم وأمل نتحسس ملامحه بصعوبة.
■ ترجلنا أخيراً من الحافلة وعانقت أقدامنا أرض مدني بعد رحلة شاقة بدأت من تقاطع قندهار بأم درمان، استمرت عشرين ساعة قطعنا فيها 425 كيلومتراً من الرهق والترقب. اللحظة التي لامسنا فيها تراب “أرض المحنة” كانت بمثابة ميلاد جديد، وكأننا نتحرر من قيود ثقيلة كبلت أرواحنا، لتستقبلنا مدني بنسيمها الذي يحمل رائحة النيل والوقار، وحين لاحت أنوارها لم تكن مجرد أضواء كهربائية، بل “صدمة ضوء” أعادت لعيوننا بريقاً انطفأ منذ بدأنا رحلة الخروج المر من العاصمة الجريحة.
■ الوضع في مدني كان يختلف تماماً عن واقع الخرطوم المكلوم؛ فالمقارنة منعدمة بين مدن “أشباح” ينعق فيها بوم المليشيا، وبين مدينة تضج بالحياة نهاراً وليلاً. رأينا الأسواق مفتوحة والناس يتحركون في طمأنينة افتقدناها طويلاً، وبت ليلتها ونمت نوماً عميقاً كأني لم أذق طعم الرقاد منذ سنوات طوال، نومة هادئة أزالت عني بؤس واقع مرير فرضه الغزاة على كل مواطن آمن بالسودان وطناً وبترابه عشقاً. كان ذلك الوصول بمثابة استعادة للروح والكرامة التي حاول الأوباش النيل منها.
■ اليوم التالي لوصولنا مثّل محطة توثيقية كبرى، حيث جلست في ظهيرة ذاك اليوم تحت ظلال الأشجار في قرية “طيبة الشيخ عبد الباقي”، مسقط رأس زوجتي، مسترجعاً أحداث الشهرين والنصف التي عاصرتها في الخرطوم تحت القصف والحصار. كنت أحاول فهم كيف تبدلت ملامح الحياة في لحظة غدر لم تكن في الحسبان، وتساؤلي كان يتركز حول متى ستتوقف هذه الحرب اللعينة التي أشعلها أناس لا يمتون للإنسانية بصلة، وقد شهدت على ذلك جرائمهم الشنيعة التي تجاوزت كل حدود الخيال في وحشيتها وغطرستها.
■ في قلب “طيبة الشيخ عبد الباقي”، تلك البقعة التي تفيض بالسكينة والورع، وجدتُ ملاذاً لم أكن أحلم به وسط ضجيج المدافع؛ فكان استقبال الأهل لنا هناك درساً في النبل السوداني الخالص، حيث عانقتنا القلوب قبل الأيادي. وتظل كلمات الشكر عاجزة عن إيفاء هؤلاء القوم حقهم، وهم الذين احتضنونا بمحبة غامرة وصدق لا تشوبه مصلحة، فكان إنسان “طيبة الشيخ” سياجاً من الكرم يحمينا من صقيع الغربة في الوطن، ومنارةً من المروءة في زمن انكسرت فيه الكثير من القيم تحت سنابك خيل الغزاة الطامعين.
■ كان استقبال الأهل في تلك القرية الوادعة ملؤه البشر، وفرحوا بمقدمنا رغم ظروف الحرب القاسية التي أثقلت كاهل الجميع، لتكون تلك المشاهد نموذجاً مصغراً لكرم إنسان الجزيرة الأصيل، الذي فتح قلبه وداره لكل من أُخرج من دياره بغير حق في الخرطوم وقصد أرضه. لقد كانت مدني وضواحيها الحضن الدافئ الذي استقبل جراح العاصمة بصدر رحب، مؤكدة أن معدن الشعب لا يصدأ مهما تكالبت عليه المحن، وأن بيوت “أرض المحنة” ستظل مشرعة الأبواب لكل مكلوم يبحث عن بقايا أمان.
■ تجوالي في قلب مدني كشف لي عن مظاهر احتفاء كبيرة من الزملاء والأصدقاء؛ فكانت عيادة صديقي العزيز الطبيب الإنسان دكتور عمر أبشر أولى محطاتي، قبل أن ألتقي بالرفاق طلال إسماعيل، مجدي العجب، حسبو السناري، ياسر المفتي، ياسر الفادني، ومعاوية السقا، وعشرات الزملاء الذين سبقوني نزوحاً، لنتبادل حكايات الصمود. كانت مدني في تلك الأيام ليست مجرد مدينة، بل “برلماناً” للصحفيين والمثقفين الذين شردتهم الحرب، يخططون لمرحلة جديدة من المقاومة بالكلمة والحقيقة، ويستعيدون فيها أنفاسهم المهنية بكرامة وعزة.
■ زيارتي للزميلات الصامدات هويدا حمزة وواصلة عباس في مركز إيواء النساء بداخلية الطالبات كانت من أهم جولات التوثيق؛ حيث رأيتهن يقفن بصلابة على شؤون النازحات، ويضربن أروع الأمثلة في صمود المرأة الصحفية التي لم تنكسر إرادتها، بل تحولت إلى طاقة عطاء لمساعدة الآخرين وتضميد جراحهم. فهذا الصمود كان هو الرد العملي على محاولات كسر شوكة المجتمع السوداني، وهو الضمانة الحقيقية بأن الحياة ستنتصر في النهاية على آلات الدمار، وأن الكلمة الحرة ستظل هي العتبة الأولى والأساسية نحو فجر التحرير المنشود.
■ خمسة أشهر سبقت الاجتياح الغادر أمضيتها في الجزيرة مراقباً لجملة مشهدها، وأمضيت بعدها ثمانية أشهر معاصراً وشاهداً على انتهاكات المليشيا بحق إنسانها وأرضها، وهي شهادة قلم . سأسردها لكم جميعاً بكل تفاصيلها الموجعة، بدءاً من مشاهد ما قبل الفجيعة، وحظائر الموت التي نصبوها في القرى الآمنة، وحتى اللحظات التي بدأت تلفظ فيها تلك المجموعات أنفاسها الأخيرة تحت أقدام الأبطال من أبناء هذه الأرض الطاهرة..
ونواصل.