كسب معركة الفقر

*لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في منتصف أبريل 2023 مجرد معركة عسكرية خلفت الدمار والخراب، بل كانت زلزالا اجتماعيا واقتصاديا هز حياة ملايين السودانيين، ودفعت بأسر كانت تعيش على قدر من الاستقرار إلى دائرة الفقر والحاجة، بعد أن فقدت مصادر دخلها وممتلكاتها، واضطرت إلى النزوح بعيدا عن ديارها.
*في ظل هذا الواقع، لم يعد الفقر مجرد أرقام تدرج في التقارير الرسمية، أو حالات تضاف إلى قوائم المستحقين للدعم، وإنما أصبح قضية وطنية تتصل بكرامة الإنسان، وقدرة المجتمع على الصمود، ومستقبل أجيال كاملة باتت مهددة بفقدان فرص التعليم والعمل والحياة الكريمة.
*حسنا.. اليوم كان السلام روتانا مسرحا للاحتفال باليوم العالمي للقضاء علي الفقر، والذي اطلق من خلاله وزير الموارد البشرية معتصم أحمد صالح تصريح مهم عن ضرورة الانتقال بالحماية الاجتماعية من الإعانة إلى التمكين الاقتصادي.
وهذا التحول يبدو بسيطا في عبارته، يمثل أحد أكبر التحديات أمام الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب.
فالمساعدات تسد الرمق، لكنها لا تصنع مستقبلا.
*قد يحتاج المواطن اليوم إلى سلة غذائية، أو مبلغ نقدي يعينه على مواجهة أعباء المعيشة، وقد تكون هذه المساعدات ضرورة لا غنى عنها في ظل الظروف الراهنة، لكنها تظل معالجة مؤقتة ما لم تتبعها برامج تعيد للإنسان قدرته على الإنتاج والاعتماد على النفس
فليس من المنطقي أن تظل الأسرة الفقيرة أسيرة انتظار المساعدات، بينما يمكن تحويل أفرادها إلى منتجين من خلال مشروعات صغيرة، وتمويل أصغر ميسر، وتدريب مهني، وفرص عمل تتناسب مع قدراتهم وظروفهم.
*وهنا تحديدا تبرز مسؤولية مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، بالتنسيق مع ديوان الزكاة ومصرف الادخار والقطاع الخاص وسائر المؤسسات المعنية، في تصميم برامج تتجاوز حدود الدعم المباشر إلى بناء مصادر دخل مستدامة للأسر المستهدفة.
الأرقام مهمة.. لكن الأثر أهم.
* إن البيانات المعلنة تشير إلى استفادة 69,100 أسرة من برنامج الدعم النقدي المباشر خلال عامي 2023 و2024، في تسع ولايات، بإجمالي بلغ 10.3 مليار جنيه. كما استهدف البرنامج خلال عام 2025 نحو 318,927 أسرة، وفق الأرقام التي أعلنتها المفوضية.
هذه أرقام تستحق التوقف عندها، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابا لأسئلة مشروعة منها كم أسرة استطاعت أن تنتقل فعليا من الحاجة إلى الإنتاج؟ وكم مشروعا صغيرا استمر بعد انتهاء التمويل؟ وما الآليات المتبعة لقياس أثر هذه البرامج على حياة المستفيدين؟
*إن نجاح برامج مكافحة الفقر لا يقاس فقط بعدد الأسر التي تسلمت المساعدات، وإنما بعدد الأسر التي استطاعت الوقوف على قدميها مجددا، وأصبحت قادرة على توفير احتياجاتها دون انتظار دفعة جديدة من الدعم.
ولعل التحدي الأكبر الذي فرضته الحرب يتمثل في اتساع دائرة الفقر، مع تزايد أعداد النازحين والعائدين، وفقدان كثير من المواطنين وظائفهم ومصادر أرزاقهم. وهؤلاء لا يحتاجون جميعا إلى النوع نفسه من التدخلات، فهناك من يحتاج إلى مساعدة عاجلة، وهناك من يحتاج إلى رأس مال صغير، وآخرون يحتاجون إلى التدريب والتأهيل أو توفير فرص العمل.
*إن تطوير السجل الاجتماعي الموحد يصبح ضرورة لضمان توجيه الموارد المحدودة إلى مستحقيها، وتفادي ازدواجية الدعم أو حرمان الأسر الأشد حاجة منه ولا يمكن تحميل وزارة الموارد البشرية وحدها مسؤولية مواجهة الفقر، فالقضية أكبر من إمكانات مؤسسة واحدة، وتحتاج إلى تنسيق حقيقي بين أجهزة الدولة وديوان الزكاة والمؤسسات المصرفية والقطاع الخاص والمنظمات الوطنية والدولية.
*حسنا.. ان ديوان الزكاة يستطيع ، بما يمتلكه من خبرة في الوصول إلى الشرائح الضعيفة، أن يؤدي دورا محوريا في دعم المشروعات الإنتاجية، بدلا من الاقتصار على المساعدات الآنية. كما يمكن لمصرف الادخار أن يوسع برامج التمويل الأصغر، وفق ضوابط تراعي ظروف الأسر الفقيرة وتمنحها فرصاً حقيقية للنجاح، أما القطاع الخاص، فلا ينبغي أن يظل حضوره محصورا في التبرعات والمبادرات الموسمية، بل يمكن أن يكون شريكا في التدريب والتشغيل والتسويق، وربط المشروعات الصغيرة بالأسواق وسلاسل الإنتاج.
*عموما.. يبقى الأهم أن تصمم هذه البرامج على أساس دراسات واقعية لاحتياجات المجتمعات المحلية، لا وفق خطط مكتبية بعيدة عن واقع الناس.
*إن إعادة إعمار السودان لن تتحقق بتشييد المباني وإصلاح الطرق وحدها، فالإعمار الحقيقي يبدأ بإعادة بناء حياة الإنسان، واستعادة قدرته على العمل والإنتاج، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
والطفل الذي يحرم من التعليم بسبب الفقر قد يصبح جزءا من دائرة الحرمان التي تتوارثها الأجيال، والأسرة التي تفقد مصدر دخلها دون أن تجد فرصة لاستعادته قد تظل رهينة المساعدات سنوات طويلة.
لذلك، فإن الانتقال من الإعانة إلى التمكين ليس مجرد شعار يرفع في مناسبة عالمية، وإنما مسؤولية تتطلب سياسات واضحة، وتمويلاً مستداماً، وشفافية في إدارة الموارد، ومتابعة دقيقة لنتائج البرامج.
ولعل المطلوب اليوم أن تتحول تصريحات الوزير إلى خطة عمل محددة الأهداف، تُعلن فيها المشروعات المستهدفة، وأعداد المستفيدين، ومصادر التمويل، والنتائج المتوقعة، مع نشر تقارير دورية توضح ما تحقق على أرض الواقع.
*إن السودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مواطنين ينتظرون المساعدة إلى ما لا نهاية، بقدر حاجته إلى سياسات تمنحهم الفرصة ليعملوا وينتجوا ويستعيدوا كرامتهم.
* إن مكافحة الفقر لا تبدأ بتوزيع المال فحسب، بل بفتح أبواب الرزق، ولا تنتهي بتسليم المساعدة، بل تبدأ حين يصبح المستفيد قادرا على الاستغناء عنها.
تلك هي المعركة التي ينبغي أن نخوضها اليوم، جنبا إلى جنب مع معركة إعادة الإعمار، لأن بناء الأوطان لا يكتمل ما لم يجد مواطنوها ما يسد حاجتهم، ويحفظ كرامتهم، ويمنحهم الأمل في غد أفضل.