
فلسفة التربية هي قبل كل شيء فلسفة الانسان، وبهذا الشرط وحده تستطيع ان تؤدي التربية رسالتها. وهي العمل على تنظيم الكائن الانساني ووحدته وتأليفه تاليفاً جديداً ومستمراً، وحمايته قبل كل شيء من القوى المختلفة التي تتنازعه في اتجاهات متباينة، ووقايته من مخاطر تشتت فكره وانحلال ارادته، وبقول موجز طبعه بطابع الوعي بأن تمنحه الاستقلال الذي تتوقف عليه سيطرته على ذاته، وبالتالي على الأشياء،
طبيعية كانت ام اجتماعية.
ان كلمة التربية Education مشتقة من كلمتين هما: (E=out of وduco=I Lead) اي انها مشتقة من الفعل اللاتيني (استخراج)، بناء على هذا التعريف نقول: إن التربية الفعلية، والاخلاقية، والبدنية والديمقراطية ليست إلا ايقاظاً للوعي الباطني، والفضائل وسائر القوى الكامنة في النفس، وإخراج ما هو موجود بكل قوة الى حيز الوجود الفعلي.
التربيه حسب التعبير الافلاطوني (إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال) ولعل اوثق تعريف ما ادلى به (جون ديوي)، من انها عملية تكيف ما بين الفرد والبيئة، يقول : (التربية هي صوغ وتكوين لفعالية الافراد، ثم صبها في قوالب معينة اي تحويلها الى عمل اجتماعي مقبول من الجماعة).
والديمقراطية طبقاً للاشتقاق اللغوي (سلطة الشعب) انها النظام الذي يجعل السلطة بيد مجموع افراد الأمة، دون اعتبار فوارق الجاه، أوالغنى، او غير ذلك.
فالديمقراطية، على هذا، نظام عام يفسح المجال لكل الامكانيات امام كل شخص، انها النظام الذي يخولنا (بصفتنا أشخاصاً). الوسائل الناجعة لكي نحيا (في وعينا وفي سلوكنا)؛ القيم العليا المشتركة، فليست الديمقراطية، اذن، غاية في ذاتها، بل هي ممر للتعالي: (الانتقال من فرد منغلق على ذاته، الى شخص يتفتح باستمرار نحو جميع امتداداته المادية والمعنوية والفكرية.
الديمقراطية بالمنظور النفسي رغبة واكثر من رغبة، إنها الأمنية العميقة التي بدون ارضائها لا يحس المرء بالثقة والأمن، فالإطمئنان اساس السعادة، لأنه ينبع من الضمانة على حصانة حريات الشخص وحقوقه، مع المساواة في الواجبات بين جميع الاشخاص، ان كل المفاهيم النبيلة، من عدالة، وصداقة، وأخوة، وحرية لا تلتصق بالواقع اذا هي لم تنطلق من الاطمئنان، فالديمقراطية رغبة ملحة اصيلة، وامل صميمي عملي، فبترابط الديمقراطية بالاطمئنان تتجذر الديمقراطية في وجداني فتصبح، إذن، واقعاً أحياه، كتجربة شخصية، لا مجرد مفاهيم تفرض علي من الخارج، ويحميها دستور فعال. فالديمقراطية نظام قابل للمناقشة والإصلاح، والحكومة الديمقراطية حكومة تمثيلية غير محتكرة للسلطة التي هي ملك للجميع، وتخضع للنقد الفردي والجماعي، ووجود (الاطمئنان) يفترض ان القوانين التي تبنى عليها اسس الحكم تضمن حرية الاجتماع، وحرية النقد لمراقبة المسؤولين، دونما خوف من اي ضغط خارجي او تعسف، هكذا يشعر كل واحد انه يسهم في ذلك بكيفية غير مباشرة لكنها عملية في تسيير شؤون الدولة، والديمقراطية بالمنظور الاجتماعي في تفاعل مسترسل بين الشخص والآخرين، فاذا انبعثت الانظمة الدستورية من وجداننا، وعملت على تقنين تواصلات الاشخاص، دون امتياز، كانت ديمقراطية صحيحة، تتيح للفرد الحريات الضرورية لتكوينه الذاتي، على اختلاف الابعاد، وفي كل المجالات، اذن. التربية الديمقراطية (هي التنشئة الاجتماعية التي يصبح فيها الفرد واعياً ومستجيباً للمتغيرات الحضارية التي تتطلب منه تعديلاً لسلوكه بما يتوافق مع حرية الآخرين واكتساباً لأنماط جديدة من السلوك، تجعله فرداً فاعلاً ومنتجاً في المجتمع يمارس دوره كإنسان متحضر لا يخضع للتعصب القبلي او التطرف الطائفي، بل كأنسان حر واع).
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نرسخ مفاهيم الديمقراطية في السلوك الأنساني. ضمن المؤسسة التربوية؟
يقول المربي (ت.س أليوت): (تستطيع المدارس ان تنقل الى تلاميذها جزءاً من الثقافة فحسب، ولا يكون هذا النقل مثمراً الا اذا كانت العوامل الخارجية في انسجام تام معها، ولا نقصد بتلك العوامل الخارجية مجرد الأسرة والبيئة بل عوامل اخرى كالعمل، واللعب، والاعلام، والمشاهد العامة، والاستعراضات، ووسائل التسلية والرياضة).
الحقيقة ان المشكلة الحقيقية التي تجابه ترسيخ المفاهيم الديمقراطية في المؤسسة التربوية. هي الاداء البيروقراطي للادارة التعليمية ابتداءاً من (المركز) وانتهاءاً با(الفروع) هذا من ناحية ومن ناحية اخرى. انعدام الكفاءة والخبرة في قيادة المؤسسة التربوية (الاختصاص)، فضلاً عن إختزال المهنية بالتسيس. وهذا ما يحول دون التحول الديمقراطي في المؤسسة التربوية. هذا ما يتعلق بالادارة التعليمية، اما بالنسبة للعقل التدريسي المتمثل (بالمعلم) فيفتقر الى مقومات الرؤية والاداء في تنفيذ المنهج وتحقيق الاهداف التربوية بسبب غياب المؤسسة الحقيقية التي تتوفر فيها وسائل اعداده. فضلاً عن غياب المنهج الديناميكي الذي يؤهله لاداء دوره التربوي، ناهيك عن إنغلاق فضاءات الابداع والتطور في اروقة المؤسسة التربوية وانحسار حركة التغيير في الشكل لا في الجوهر وهذا ما يجعل الممارسة الديمقراطية في المؤسسة التربوية تكاد تكون مشلولة او شبه مشلولة.
يرى بياجيه ان الهدف الاول للتربية والتعليم هو تخريج رجال قادرين على انتاج اشياء جديدة وليس اعادة ما انتجته الأجيال السابقة، أي تخريج رجال مبادرين، مبتكرين، ومستكشفين. اما الهدف الثاني للتربية في رأي بياجيه فهو تربية العقول الناقدة التي تستطيع ان تبحث في الاشياء وتحاكمها محاكمات عقلية ولا تقبل كل ما يقدم اليها دون بحث وتمحيص.
اذن لكي نستطيع ان نحقق اهداف التربية الديمقراطية يجب ان يكون الماسك بزمام السلطة في المؤسسة التربوية ديمقراطياً، يقبل النقد، ويصغي للآخرين في مؤسسته ولا يمارس عليهم سادية سلطته، ويكون انموذجاً، يقتدى به في الفرعيات في السلوك الديمقراطي، والامر الآخر اصلاح الكوادر التعليمية.
نواصل…..