أخبار اقتصاديةأخبار عاجلة

آثار الحرب على الميزانيات العمومية لشركات المقاولات

بين الواقعية والمستقبل (السودان أنموذجاً)2-2
د.م.م مالك دنقلا
رئيس اتحاد المقاولين
نائب رئيس اتحاد الغرف التجارية

تناولنا في الحلقة الاولي من المقال خطر الحروب وتأثيراتها السالبة على الجوانب الاقتصادية وخاصة على قطاع المقاولات لطبيعته الحساسة باعتماد على التخطيط والتمويل طويل الأجل كما تطرقنا بالتركيز والتحليل إلى آثار حرب الكرامة المباشرة وغير المباشرة على ميزانيات شركات المقاولات بالسودان وتحديد مدى قدرتها على الاستمرار من خلال قراءات حول الأصول الثابتة ومخزونات الخام والمدينون والعقود والقيم النقدية والغرامات والأرباح المحتجزة المستخلصات والقروض التسهيلات الائتمانية والتحديات المحاسبية والضريبية والمطالبات والغرامات وغيرها، ونتطرق في هذة الحلقة الثانية َمن المقال إلى مستقبل شركات المقاولات في السودان من حيث اعداد الميزانية لمرحلة إعادة الإعمار بحيث تكون الشركة مؤهله لانجاز مشاريع جديده و تكون مقبوله لدى موسسات التمويل للفوز بالتمويل المستقبلي،
ومن العوامل الموثره على تقديم مستندات التاهيل:
•ان أصحاب المشاريع لا يقرأون الخسارة فقط؛ بل يقيّمون قدرة التعبئة والتنفيذ (Mobilization).
•تقييم الضمانات البنكية يرتبط بالملاءة والتدفقات النقدية.
•سلامة السجلات والحوكمة والضوابط الداخلية.
•شفافية الإفصاح عن المخاطر وخطة التعافي

التجارب المقارنة: (التجربة السورية):

تبرز أهمية الاستفادة من التجارب المقارنة، وعلى رأسها تجربة سوريا بعد سنوات طوبلة من الحرب و النزاع الداخلي والتي تقدم نموذجا عمليا لكيفية انتقال الدولة من منطق التحصيل التقليدي إلى منطق المعالجة وإعادة الدمج الاقتصادي.
فلقد أظهرت التجربة السورية من خلال الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية السورية توجها واضحا نحو التعامل مع أوضاع شركات المقاولات المتضررة وذلك عبر مسارين متكاملين، يتمثل الأول في معالجة الديون المتعثرة لدى المصارف العامة، بينما يركز الثاني على تقديم حوافز وإعفاءات ضريبية للشركات المتعثرة مرتبطة بدرجة الضرر الفعلي. ويعكس هذا التوجه فهما واقعيا لطبيعة الاقتصاد في مرحلة ما بعد النزاع، حيث لا يكفي إثبات الخسائر محاسبيا، بل يصبح من الضروري توفير أدوات عملية وتدخلات مالية وضريبية تساعد الشركات على استعادة نشاطها وتخفيف الأعباء المتراكمة عليها اثناء وبعد فترة الحرب.

الديون والالتزامات:
فيما يتعلق بالديون والالتزامات، اعتمدت التجربة السورية على التمييز بين المتعثر الحقيقي والمتخلف المتعمد، ومنحت الشركات المتضررة فرص تسوية للديون المتعثرة لدى المصارف العامة مرنة مشروطة، تضمنت إعفاءات جزئية من الفوائد والغرامات ضمن أطر زمنية محددة، مع وجود تعليمات تنفيذية واضحة، ولجان متابعة، وتقارير دورية لضمان التطبيق. وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها لا تقتصر على شركات المقاولات وحدها، ولا تتعلق فقط بتخفيف العبء المالي لكنها تقدم فكرة مهمة يمكن الاستفادة منها، وهي أن إعادة هيكلة الالتزامات المالية المتراكمة تمثل جزءاً أساسياً من التعافي، وأن الدولة تستطيع أن تسهم في إعادة دمج المتضررين اقتصادياً من خلال تسويات واقعية ومنضبطة و بشكل تدريجي ومنظم.

المسالة الضريبية:
على المستوى الضريبي، اتسمت التجربة السورية بدرجة عالية من الدقة في ربط الإعفاءات بحجم الضرر الفعلي الذي لحق بالمنشآت، حيث تم التمييز بين أنواع واصول المنشآت المتضررة، سواء كانت أصولا ثابتة أو مخزونا أو كليهما، وربطت نسبة الإعفاء ومدته بنسبة الضرر المثبتة فنيا. كما تم الاعتماد في التقدير على لجان تقييم فنية متخصصة، وتعليمات تنفيذية واضحة، وآليات متابعة، وتواصل مع المكلفين بما يحقق التوازن بين العدالة الضريبية ومنع الاستغلال أو الفساد.

تاسعا: الدروس المستفادة من التجربة السورية

تكمن القيمة التحليلية للتجربة السورية في أنها لم تعتمد على إعفاءات عامة أو تقديرات جزافية، بل بنت معالجاتها على أساس فني منظم يستهدف الإنصاف والاستدامة. وتجنب الفساد، وتسهيل التطبيق، وإعادة تشغيل المنشآت وتنشيط الدورة الاقتصادية.
ومن هذه التجربة يمكن استخلاص درس مهم للسودان، وهو أن معالجة آثار الحرب على شركات المقاولات لا ينبغي أن تقف عند حدود الاعتراف المحاسبي بالخسائر، بل يجب أن تمتد إلى إطار مؤسسي أوسع وتصميم سياسات انتقالية متكاملة تربط بين تقييم الضرر الحقيقي، والمعالجة الضريبية، وإعادة هيكلة الالتزامات، ووضع آليات تنفيذ ومتابعة واضحة. فالتحدي ليس في منح إعفاءات أو تسويات بصورتها المجردة، وإنما في تصميم سياسات انتقالية عادلة تميز بين الحالات، وتربط الدعم بدرجة الضرر، وتستند إلى لجان فنية ومعايير واضحة، وتستهدف في النهاية إعادة الشركات إلى دائرة النشاط والإنتاج لا مجرد تأجيل أزمتها.
ومن هذا المنطلق، يمكن للسودان الاستفادة من التجربة السورية في عدد من الجوانب العملية، أبرزها الانتقال من التقديرات الجزافية إلى تسويات عادلة قائمة على الضرر الفعلي المثبت، وإنشاء لجان فنية مشتركة لتقييم الأضرار، وربط المعالجات الضريبية والتمويلية بملفات إثبات واضحة، إلى جانب وضع تعليمات تنفيذية تحدد شروط الاستفادة وآليات الرقابة والمتابعة مع التمييز بين المتضرر الحقيقي والحالات غير المستحقة.
كما تؤكد التجربة أن الدولة يمكن أن تلعب دورا محوريًا في دعم التعافي، من خلال تحمل جزءا من التكلفة ليس من باب الإعفاءات المطلقة، بل عبر سياسات انتقالية مدروسة تعيد تشغيل الشركات وتحافظ على ما تبقى من قدراتها الإنتاجية، وتمهد لعودة قطاع المقاولات ليكون أحد أعمدة إعادة الإعمار.
وبذلك، فإن إدماج هذا النموذج ضمن تحليل الحالة السودانية يوفر إطارا عمليا يمكن البناء عليه في تصميم سياسات إعادة الإعمار، خاصة في قطاع المقاولات الذي يعد أحد أهم محركات التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.

عاشرا: توصيات هامة لتمكين شركات المقاولات من بناء ميزانيات عمومية مقبولة مهنياً

هذا المقال للمستقبل حيث لا ينتهي عند توصيف الأضرار، بل يتجه إلى السؤال الأهم: كيف يمكن لشركات المقاولات أن تبني ميزانيات عمومية مقبولة مهنياً وقابلة للتأهيل في مرحلة التعافي؟
الاجابة هي ان ذلك يتم من خلال ما يلي:
تنظيف الميزانية العمومية لا تجميلها؛ أي شطب ما فقد فعلاً، والاعتراف بانخفاض قيمة ما تعطلت منفعته، وتقوية المخصصات، وإعادة هيكلة الالتزامات وتحسين الإفصاح وتقديم رؤية واضحة حول السيولة وخدمة الدين وخطة التعافي، كما أن جهات التأهيل لا تقرأ الخسارة المجردة، بل تنظر إلى قدرة الشركة على التعبئة والتنفيذ، وإلى سلامة سجلاتها، ووضوح حوكمتها، وتماسك ضوابطها الداخلية، وتوفر خطة عملية لإدارة المعدات والتمويل والمخاطر.
وعليه، فإن الميزانية العمومية في مرحلة ما بعد الحرب تصبح وثيقة لإثبات الجدارة بقدر ما هي وثيقة لعرض الواقع المالي.
الاعتماد علي مفهوم “حزمة التأهيل” بوصفه أحد أهم مخرجات التفكير المهني في مرحلة التعافي. وتتكون هذه الحزمة من قوائم مالية مدققة مع إيضاحات مركزة عن آثار الحرب، ومذكرة إدارة توضح ما تم شطبه أو إصلاحه أو إعادة تقييمه، وقائمة معدات واقعية تبين المتاح فعلياً وخطة الإصلاح أو بدائل التأجير، إلى جانب خطة تعافٍ تمتد من اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهراً تشمل التمويل وأولويات المعدات والمشاريع المستهدفة، وملف إثبات للفقد والتلف، ومنظومة حوكمة ومخاطر تعزز الثقة لدى البنوك وأصحاب المشاريع والجهات المانحة، والمغزى من ذلك أن الشركة لا تستعيد مكانتها عبر إنكار آثار الحرب، بل عبر الاعتراف بها مهنياً وإثبات قدرتها على إدارة ما بعدها.
أن معالجة آثار الحرب على الميزانيات العمومية لشركات المقاولات في السودان تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين الواقعية المحاسبية، والعدالة الضريبية، وإعادة التأهيل المؤسسي، فعلى مستوى الشركات، تبرز الحاجة إلى تشكيل لجان أزمة مشتركة، وتنفيذ برامج جرد وإثبات للأصول والمخزون والعقود والمطالبات، واعتماد سياسة واضحة لمصروفات التوقف والإصلاح، مع إعداد خطة تعبئة وقائمة معدات واقعية وإدارة مطالبات أكثر مهنية.
وعلى مستوى المهنة، تبرز أهمية إصدار دليل إرشادي متخصص يشمل اختبارات انخفاض القيمة، ومعالجةالخسائر ومنهجية الذمم الحكومية، وإفصاحات الاستمرارية، والحد الأدنى من مستندات التدقيق في بيئة فقد السجلات.
على مستوى الدولة، فالأولوية هي الانتقال من التقديرات الجزافية إلى تسوية عادلة قائمة على الضرر الحقيقي، من خلال لجان فنية مشتركة وقوائم مالية مدققة وملف إثبات ضرر، وخطة تعافٍ متكاملة، مع الاستفادة من التجارب المقارنة مثل التجربة السورية.
تظل المعالجات الضريبية والتمويلية جزءاً أساسياً من التعافي، من خلال الاعتراف بالخسائر الفعلية، وتمديد ترحيل الخسائر، ومعالجة العقود المتوقفة وتخفيف الغرامات وفوائد التأخير، وجدولة الالتزامات ومنح حوافز مرحلية لإعادة الإعمار، وبذلك تصبح الميزانية العمومية أداة لإظهار الحقيقة المالية من جهة، ومنطلقاً لإعادة البناء واستعادة الثقة من جهة أخرى باعداد الميزانية العمومية بصدق ومهنية، ففي هذه الحالة يمكن أن تتحول من مجرد سجل للأزمة إلى أداة لإعادة بناء الثقة، ومنطلق لإعادة التأهيل، وهو ما يمثل حجر الأساس لأي عملية تعافٍ اقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
تتطلب المرحلة الحالية قدرا من المرونة في إدارة الأعباء المالية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الشركات والحكومات لضمان استمرار تنفيذ المشروعات القومية والخاصة دون توقف و
تطوير أسواق رأس المال المحلي وإيجاد قنوات للاقتراض طويل الأجل، وخلق قدرات تسويقية والاهتمام بمواضيع الجودة و بلورة تصور من قبل اتحادات وغرف المقاولين المحلية للحكومة يحوي الإجراءات العملية المطلوبة للتعويض عن الخسائر في المدى القصير والمتوسط والطويل، وما قد يستتبعه هذا الأمر من إيجاد سياسة تمويلية وضريبية ميسرة للشركات المتضررة و
تعديل القوانين والتشريعات والقرارات المرتبطة بقطاع المقاولات، واعتماد آليات تعويض تلقائي لفروق الأسعار لمواجهة التقلبات وتسهيل تطبيق بنود القوة القاهرة .
استغلال مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة حيث يمكن أن تفتح المجال أمام تحسن الميزانيات العمومية للشركات القادرة على إثبات الجدارة الفنية والمالية والتنظيمية، خاصة إذا تدفقت الموارد والتمويل المرتبطان بإعادة البناء، وذلك من خلال الاستعداد المهني السليم، وبقوائم مالية صادقة، وبخطة تعافٍ قابلة للتنفيذ، وبملف تأهيلي قوي يربط بين الواقع الحالي للشركة وقدرتها المستقبلية على العودة إلى التنفيذ.

الخاتمة:
يتضح مما سبق إن الحرب في السودان لم تكن مجرد أزمة عابرة بل شكلت تحولا هيكليا عميقا في بيئة الأعمال، انعكس بشكل مباشر على الميزانيات العمومية لشركات المقاولات عبر مسار متكامل يبدأ بتدمير أو تعطيل الأصول، والنشاط ويمر بضعف السيولة وتعثر التحصيل واضطراب العقود وارتفاع التكاليف واستمرار الالتزامات، وينتهي بتآكل حقوق الملكية وظهور مخاطر الاستمرارية. وبالتالي فان التحدي الحقيقي لا يكمن في تسجيل هذه الخسائر فقط، بل في تقديم معالجة محاسبية وضريبية ومهنية متوازنة وعرضها بصورة عادلة وواقعية تحفظ صدق القوائم المالية، وتدعم فرص التدقيق والتأهيل، وتفتح الطريق أمام التعافي.
ورغم ضخامة التحديات، فإن هناك فرصًا يمكن استغلالها، شريطة أن تتبنى الشركات استراتيجيات مرنة، وأن تتوفر بيئة داعمة من قبل الحكومة والمؤسسات الدولية، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، والعمل على تطوير الأطر التشريعية والتمويلية، كما ان الشفافية، والإثبات، والإفصاح، وخطة التعافي، هي الأساس الذي يمكن أن تتحول به الميزانية العمومية من سجل للأزمة إلى نقطة انطلاق نحو استعادة الثقة وإعادة البناء.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى