أركويت.. معلقة الجبال حين يكتب الضباب سيرته على الحجر

اركويت:جعفر باعو
ثمة أماكن لا تزار، بل تكتشف كما تكتشف القصائد العظيمة أماكن تمضي إليها فتعود وأنت تحمل شيئا من روحها في داخلك. اركويت واحدة من تلك الأمكنة التي لا تشبه سوى نفسها، مدينة معلقة بين السماء والأرض، كأنها استراحة قديمة للسحاب وهو يعبر الشرق السوداني.

كان الزميل والصديق العزيز عاصم البلال يصف بورتسودان ”بالمدينة الحمراء”، وهو وصف يشبهها تماما وهي تتكئ على البحر الأحمر بجبالها ولهيب شمسها وألوانها المتداخلة. لكن الحقيقة الأكبر أن ولاية البحر الأحمر كلها تبدو كأنها قصيدة طويلة كتبتها الطبيعة بحبر البحر والصخر والضوء. وفي قلب تلك القصيدة، تقف أركويت كأجمل أبياتها.

من “صمد” يبدأ الطريق إليها… طريق هرم ومتعب، شاخت طبقاته الإسفلتية من طول الإهمال، لكنه رغم ذلك يؤدي رسالته الأخيرة بشرف، يقود العابرين نحو الدهشة. وكلما مضيت شرقا، أحسست أن الجبال تضيق عليك أول الأمر، ثم تفتح لك ذراعيها شيئا فشيئا، حتى تدخل أركويت كما يدخل المرء إلى حلم بارد في ظهيرة قائظة.
هناك يصبح الضباب كائنا حيا، يتسلل بين الأشجار والصخور، يلامس النوافذ والوجوه، ويمنح المكان ذلك الحزن الجميل الذي لا يفسر. الجبال هنا لا تقف صامتة، بل تبدو كأنها تحفظ حكايات قديمة وتهمس بها للريح.

وفي الطريق إلى المدينة ترى أثر الناس الطيبين الذين لم يغادروا المكان رغم قسوته وإهماله. شباب المنطقة، بأموالهم القليلة ومحبتهم الكبيرة، يحاولون ترميم الطريق الذي يربط أركويت بـسنكات، كأنهم بذلك يرممون صلتهم بالحياة نفسها. وحتى البوابة التي تستقبلك بعبارة “مرحبا بكم في أركويت” لا تبدو مجرد مدخل، بل تبدو كأنها عناق مفتوح لكل قادم.
وما إن تعبرها حتى تنكشف أمامك مدينة تمشي الهوينى فوق كتف الجبل. بيوت صغيرة متناثرة بين الصخور، أطفال يخرجون من حضن الضباب إلى مدارسهم، وسوق هادئ يشبه قلوب أهل المكان، بسيطا ونظيفا ودافئا.
وعلى مقربة من ذلك السكون يرقد الشهيد عثمان دقنة، الرجل الذي أرعب الإمبراطورية البريطانية وأجبرها على الاعتراف ببسالة الشرق السوداني. هناك، فوق الجبل، يبدو الضريح كأنه حارس قديم للمدينة، يراقب المدى بصمت الفرسان.وخلوة الشيخ المجذوب المنارة الدينية التي تشع بركة ونور تضئ عقول الأطفال بالقرآن، اما شفخانة اركويت التي تبدل حالها الي مركز صحي أركويت، فهو الذي يطمئن القلوب بعلاج ناجع في تلك البيوت الجبلية،

أما جبل الست فليس جبلا فقط، بل حكاية كاملة. يقول الناس إن زوجة الحاكم الإنجليزي وقفت يوما على قمته تتأمل الغيم المهاجر نحو سواكن، فسقط منديلها من يدها، وحين حاولت اللحاق به ابتلعها الجبل إلى الأبد. ومنذ ذلك اليوم ظل المكان يحتفظ باسمها، وكأن الحكايات أيضا يمكن أن تتحول إلى تضاريس.
ومن أعلى الجبل، تبدو أضواء سواكن البعيدة كأنها نجوم سقطت على حافة البحر، بينما يتغير الطقس بين القمة والسفح في دقائق قليلة، فتشعر أنك تعبر فصول السنة وأنت في المكان نفسه.

وفي أركويت واد أخضر يشق الجبال كأنه شريان ماء قديم، تجتمع حوله الأسر في المواسم والأعياد، وتجلس الأشجار على ضفتيه كعجائز طيبات يروين للناس أسرار المكان.
لكن أكثر ما يوجع في أركويت أنها جميلة إلى هذا الحد… ومهملة إلى هذا الحد أيضاً. هنا بقايا استراحات وفنادق، وملاعب تنس وإسكواش، وحوض سباحة ضخم، وآثار لزمن كان فيه الإنجليز يدركون قيمة هذا المكان أكثر مما نفعل نحن اليوم. حتى مربط خيل الحاكم الإنجليزي ما يزال واقفا عند المدخل، كأنه ينتظر عودة زمن لن يعود.

أركويت ليست مدينة سياحية فحسب، بل ذاكرة من جمال. مدينة لو أفاقت إليها يد العناية لأصبحت واحدة من أجمل مصايف أفريقيا. لكنها الآن تشبه أميرة نائمة فوق الجبال، يمر بها الضباب كل صباح، ويترك على جبينها قبلة باردة ثم يمضي.