القتال للبقاء وسط الركام

*في الحروب تنهار أشياء كثيرة دفعة واحدة، المدن.. الاقتصاد.. الخدمة المدنية.. وحتى ثقة الناس في مؤسساتهم. لكن أخطر ما يمكن أن يسقط أثناء الفوضى هو فكرة الدولة نفسها، حين تعجز مؤسساتها عن الاستمرار أو تتخلى عن مواطنيها في لحظة الحاجة الكبرى.
*وسط هذا المشهد القاسي، يحاول ديوان الزكاة الاتحادي أن يقدم رواية مختلفة. رواية مؤسسة تقول إنها لم تغادر الخرطوم رغم النار، ولم تسرح موظفيها رغم الانهيار، ولم تغلق أبوابها رغم أن الحرب أكلت المال والمقار والموارد معا.
*حديث الأمين العام للديوان د. يحي أحمد عبد الله القمراوي في ظهوره الإعلامي الأول.. لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصريحات إدارية عابرة، بل باعتباره شهادة على حجم الخراب الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية. حين يقول الرجل إن الديوان فقد كامل كتلته النقدية، وإن ولايات كاملة خرجت من دائرة التحصيل، وإن المؤسسة تعمل بنصف قوتها البشرية، فهو لا يتحدث عن أزمة مالية فقط، وإنما عن دولة تحاول أن تلتقط أنفاسها تحت القصف والانهيار.
*حين تتراجع الزراعة والرعي والتعدين وتتوقف المصانع، فإن الزكاة نفسها تتحول من مورد متدفق إلى معركة بقاء. والأسوأ أن كثيرا ممن كانوا يدفعون الزكاة أصبحوا اليوم في صفوف مستحقيها. تلك ليست مجرد مفارقة اقتصادية، بل تلخيص مؤلم لحجم السقوط الاجتماعي الذي أنتجته الحرب.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم ليس.. كيف صمد الديوان؟بل.. ماذا بعد الصمود؟
*لأن استمرار أي مؤسسة أثناء الحرب لا يكفي وحده لصناعة النجاح. المطلوب الآن هو الانتقال من عقلية النجاة إلى عقلية البناء. السودان بعد الحرب لن يحتاج إلى خطب كثيرة بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إعادة الناس إلى الحياة والإنتاج والكرامة.
ومن النقاط اللافتة في حديث القمراوي تركيزه على “إعادة الإنسان السوداني إلى دائرة الإنتاج”. هذه العبارة ربما تكون أهم من كل الأرقام الأخرى، لأن أخطر ما تفعله الحروب ليس تدمير المباني، بل تحويل الإنسان نفسه إلى ضحية دائمة تعتمد على الإغاثة وتفقد القدرة على النهوض.
*الرهان الحقيقي أمام ديوان الزكاة اليوم ليس فقط في جمع الأموال، وإنما في إدارة الأمل.
كيف يمكن تحويل الزكاة من مجرد إعانات استهلاكية مؤقتة إلى مشروعات إنتاجية دائمة؟.. كيف يمكن إعادة آلاف الشباب إلى سوق العمل؟ كيف يمكن إنقاذ الأسر التي دفعتها الحرب إلى حافة الفقر الكامل؟ هذه هي المعركة الأصعب.
*كما أن الحديث عن إعادة الإعمار لا ينبغي أن يقتصر على المباني والمكاتب المحترقة. الإعمار الحقيقي يبدأ من استعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ومن بناء نموذج إداري شفاف وعادل يشعر الناس بأن أموالهم تصل فعلاً إلى مستحقيها.
*الحرب كشفت هشاشة أشياء كثيرة في السودان، لكنها كشفت أيضا أن بعض المؤسسات ما تزال تقاوم وسط العاصفة. غير أن المقاومة وحدها لا تكفي. فالسودانيون الذين أنهكتهم الحرب لا يريدون فقط مؤسسات “باقية”، بل يريدون مؤسسات قادرة على صناعة الفرق.
وفي بلد خرج من تحت الرماد، ستكون قيمة أي مؤسسة بحجم ما تعيده من حياة للناس، لا بحجم ما تقوله في المؤتمرات.