زلزال “سنكات” وهدم أصنام البيروقراطية

في “سنكات”، لم تكن ورشة الهلال الأحمر السوداني مجرد محطة لتوزيع الابتسامات والوعود، بل بدت وكأنها “انقلاب أبيض” يقوده الأمين العام الأستاذ أحمد الطيب على إرث طويل من الترهل الإداري ولغة الاستجداء. حين يتحدث الرجل بلغة الدولة لا لغة الشكوى، فهو لا يجمل الواقع، بل يضع العمل الإنساني السوداني أمام استحقاق تاريخي.. إما أن تكون مؤسسة سيادية قادرة على لجم الكارثة، أو تظل “صندوق بريد” لصدقات الخارج.
*لقد وضع أحمد الطيب يده على الجرح النازف حين رفع شعار “الإصلاح المؤسسي الشامل”. فالخراب الذي أحدثته الحرب في الهياكل لم يكن أخطر من الخراب الذي أحدثته “البيروقراطية المركزية” في العقول،إن إعلانه الجريء بأن مخرجات سنكات هي “عين الحقيقة”، هو بمثابة اعتراف ضمني بأن عهد “دفن الرؤوس في الرمال” قد انتهى. السودان اليوم لا يحتمل مؤسسات تقتات على الأزمات، بل يحتاج إلى “هلال” يمتلك من الشجاعة ما يكفي لفك الاشتباك الإداري وتمليك الولايات زمام أمرها.
*القوة الحقيقية في خطاب الأمين العام تجلت في مصطلح “تنمية الموارد”. هذه ليست مجرد رفاهية إدارية، بل هي “معركة كرامة” إنسانية،فالمؤسسة التي تنتظر “الإذن بالصرف” من عواصم الضباب، لن تستطيع إغاثة نازح في أقاصي الشمالية أو جبال سنكات. نقل التجارب الإقليمية للاستدامة هو إعلان استقلال صريح، مفاده أننا سنصنع غذاءنا ودواءنا بذكائنا وتخطيطنا، قبل أن ننتظر شاحنات المنظمات الدولية التي قد تصل وقد لا تصل.
*أما “الجيش الجرار” المكون من 92 ألف متطوع، فهو الثروة التي تتضاءل أمامها مليارات الدولارات، لكن.. لنكن صريحين.. هؤلاء المتطوعون هم “دين” في عنق الإدارة، وليسوا مجرد أرقام للتباهي في المحافل الدولية، القوة التي تحدث بها الأمين العام تفرد عباءة المسؤولية لحماية هذا الجيش من “الإحباط الوظيفي” أو “الاستقطاب السياسي”. فالتطوع الذي عرف في الورشة بأنه عمل بلا أجر، يجب أن يقابل بإدارة بلا ثقوب.
*لقد خرج الهلال الأحمر من سنكات بـ”خارطة طريق” لا تقبل القسمة على اثنين.. اللغة السيادية التي تحدث بها الأمين العام رفعت سقف التوقعات إلى السماء، وأي ارتداد عن هذه الشفافية أو تباطؤ في تنفيذ “ميثاق سنكات” سيكون بمثابة انتحار مؤسسي،السودان لا يحتاج إلى “موظفي إغاثة”، بل يحتاج إلى “قادة طوارئ” يشبهون في جسارتهم هذا الشعب الصابر.
*الكرة الآن في ملعب الأجهزة التنفيذية.. فهل ينجح الهلال في ترميم أجنحته المحترقة بنار الحرب، أم تبتلعه ثقوب الإدارة القديمة؟