أخبار عاجلةمقالات

محمد آدم عربي يكتب.. الهلال الأحمر بالقضارف.. شهادة دولة في زمن الانهيار

 

في أزمنة الاستقرار، تستطيع المؤسسات أن تختبئ خلف اللافتات الكبيرة والتقارير المنمقة، لكن في زمن الحرب لا يبقى في الواجهة إلا من يملك القدرة على الوصول إلى الناس وسط الدخان والجوع والخوف.

ولهذا لم تكن الكلمات التي قيلت في احتفال جمعية الهلال الأحمر السوداني بولاية القضارف مجرد مجاملات رسمية، بل بدت أقرب إلى شهادة موثقة من الدولة نفسها لمؤسسة ظلت تعمل بصمت بينما كانت البلاد تتكئ على أوجاعها الثقيلة.

حين قال والي القضارف“لم نجد في الساحة إلا الهلال الأحمر”،

فإنه لم يكن يطلق عبارة احتفالية عابرة، بل كان يرسم صورة حقيقية لمشهد إنساني معقد، غابت عنه مؤسسات كثيرة، بينما ظل الهلال الأحمر حاضرا في الصفوف الأمامية، في مراكز الإيواء، وفي حملات العلاج، وفي توزيع الغذاء والمياه، وفي مواساة الناس الذين أرهقتهم الحرب والنزوح.

هذه الجملة وحدها تختصر حكاية مؤسسة كاملة، ففي زمن تتساقط فيه الهياكل تحت ضغط الأزمة، استطاع الهلال الأحمر أن يحافظ على حضوره، لا بقوة السلطة ولا بضجيج الإعلام، وإنما بقوة المتطوعين الذين حملوا الشارة الحمراء ومضوا نحو الأماكن التي يخشاها الآخرون.

الأهم من ذلك أن الوالي لم يتحدث عن الحضور فقط، بل تحدث عن “المهنية والأمانة”، وهما الكلمتان الأكثر حساسية في العمل الإنساني.

فالناس في أوقات الكوارث لا يبحثون فقط عن المساعدة، بل يبحثون أيضا عمن يثقون فيه. والثقة لا تصنع بالخطب، وإنما تبنى بالتجربة اليومية، حين يرى المواطن أن هناك من يعمل بإخلاص دون تمييز أو استغلال أو استعراض.

ثم جاء حديث وزير الصحة الاتحادي، د. هيثم محمد إبراهيم ليكمل المشهد بصورة أكثر وضوحا حين قال..

“أينما التفتنا وجدنا الهلال الأحمر”.

وهنا تبدو قيمة المؤسسة الحقيقية، أن تصبح شريكا للدولة لا عبئا عليها، وأن تتحول من منظمة إغاثية تقليدية إلى ذراع إنسانية تمتلك القدرة على الحركة السريعة والوصول إلى الناس في أصعب الظروف.

ما يفعله الهلال الأحمر اليوم في السودان يتجاوز العمل الطوعي بمعناه البسيط.

نحن أمام تجربة إنسانية تحمل على أكتافها جزءا كبيرا من أعباء الحرب، من الإغاثة إلى الصحة، ومن المياه إلى الدعم النفسي، ومن رعاية النازحين إلى مواساة أسر الشهداء.

ولعل أجمل ما في احتفال القضارف أنه لم يحتف بالمناصب، بل احتفى بالمتطوعين.

أولئك الشباب الذين لم يسألوا عن العائد، ولم ينتظروا شهرة أو مكافأة، بل اختاروا أن يكونوا في الصف الأول بينما كانت البلاد كلها تبحث عن النجاة.

تكريم واحد وعشرين متطوعا ومتطوعة لم يكن حدثا بروتوكوليا، بل كان اعترافا بأن الإنسانية ما تزال قادرة على الوقوف رغم هذا الخراب الكبير.

أما تكريم أسر الشهداء، فقد منح المناسبة معنى أعمق، لأن الأوطان لا تبنى فقط بالبندقية، وإنما أيضا بمن يضمدون الجراح ويحفظون ما تبقى من كرامة الإنسان.

الحقيقة التي كشفتها القضارف بوضوح هي أن الهلال الأحمر لم يعد مجرد منظمة تقدم مساعدات، بل أصبح واحدا من أعمدة الصمود السوداني في زمن الحرب.

ولهذا جاءت كلمات المسؤولين مختلفة هذه المرة، لأنها خرجت من قلب التجربة، لا من دفاتر المجاملة.

وفي بلد أنهكته الحرب، ربما تصبح أعظم قيمة لأي مؤسسة أنها ما تزال قادرة على أن تمنح الناس شيئا نادرا اسمه “الطمأنينة”.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى