بين خطاب الكراهية والتعليم

*على ضفاف البحر الأحمر، وفي قاعة نادي الشرطة بمدينة بورتسودان، لم يكن الحديث مجرد ندوة عابرة أو نقاش أكاديمي تقليدي. كانت الجلسة التي نظمها مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي أقرب إلى وقفة تأمل جماعية في جذور الأزمة السودانية، ومحاولة جادة للإجابة على سؤال ظل يلاحق السودانيين منذ فجر الاستقلال.. لماذا تعثرت الدولة الوطنية رغم كل ما تملكه البلاد من تنوع وموارد وإمكانات؟
*في تلك الجلسة، قدم الدكتور محمد جلال هاشم رؤية عميقة ضمن مشروع “إعادة بناء وإعمار العقل السياسي السوداني”، واضعا إصبعه على واحدة من أكثر القضايا حساسية وتأثيراً في مستقبل البلاد، وهي العلاقة بين التعليم وخطاب الكراهية وبناء الدولة.
الحقيقة التي فرضت نفسها على مجمل النقاش هي أن الأزمات الكبرى لا تبدأ من فوهات البنادق، وإنما تبدأ من الأفكار. *فالحروب التي مزقت السودان لم تولد في ساحات القتال، بل نشأت أولا في العقول التي لم تتعلم كيف تتقبل الآخر، وفي المناهج التي عجزت عن تقديم السودان كما هو، وطنا متعدد الثقافات والأعراق واللغات، يتسع للجميع دون استثناء.
*لقد ورث السودان بعد الاستقلال دولة بحدود جغرافية واسعة، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في بناء مفهوم جامع للمواطنة يتجاوز الانتماءات الضيقة. ولهذا ظلت القبيلة والجهة والعرق في كثير من الأحيان أكثر حضورا من الدولة نفسها. ومع كل أزمة سياسية أو أمنية كانت هذه الانقسامات تعود إلى السطح بصورة أكثر حدة، لتكشف هشاشة البناء الوطني الذي لم يجد سنده الحقيقي في التعليم.
*فالتعليم ليس مجرد فصول دراسية وشهادات تمنح في نهاية العام، بل هو الأداة التي تشكل الوعي الجمعي وتصنع صورة الإنسان عن نفسه وعن الآخرين. وعندما ينشأ جيل كامل وهو لا يعرف شيئا عن ثقافات شركائه في الوطن، أو يتلقى عنهم صورا ناقصة ومشوهة، فإن النتيجة الطبيعية هي انتشار الأحكام المسبقة وتغذية مشاعر الريبة والكراهية والإقصاء.
*ومن هنا يصبح خطاب الكراهية نتيجة طبيعية لخلل أعمق في بنية الوعي الوطني. فهو لا يبدأ بنداء للعنف، وإنما يبدأ بفكرة خاطئة، أو صورة نمطية، أو شعور بالتفوق على الآخرين. ثم تتراكم هذه التصورات حتى تتحول إلى تمييز وعداء وصراع. ولذلك فإن أخطر ما في خطاب الكراهية أنه لا يدمر الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل أيضا.
*إن الدول التي نجحت في إدارة تنوعها لم تفعل ذلك عبر القوانين وحدها، رغم أهمية التشريعات، وإنما عبر التعليم الذي جعل من الاختلاف قيمة إيجابية لا تهديدا وجوديا. فالوطن القوي ليس ذلك الذي يلغي تنوعه، بل الذي يحوله إلى مصدر ثراء وقوة ووحدة.
*واليوم، بينما يواجه السودان واحدة من أعقد المراحل في تاريخه الحديث، تبدو الحاجة أكثر إلحاحا إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء العقل السياسي والاجتماعي. مشروع يبدأ من مراجعة فلسفة التعليم ومناهجه، ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والعدالة والمساواة والتعدد الثقافي، باعتبارها ركائز أساسية لبقاء الدولة واستقرارها.
*إن المعركة ضد خطاب الكراهية لن تحسم بالقرارات الإدارية أو النصوص القانونية وحدها، بل تحسم في المدرسة قبل المحكمة، وفي الكتاب قبل المنبر، وفي العقل قبل الشارع. فحين يتعلم الأطفال أن اختلاف ألوانهم ولهجاتهم وثقافاتهم لا ينتقص من سودانيتهم، عندها فقط يمكن الحديث عن مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.
*لقد أثبتت التجارب أن الكراهية قادرة على هدم الأوطان، لكنها عاجزة عن بنائها. أما التعليم الواعي والعادل فهو القادر على صناعة مواطن يرى في التنوع قوة، وفي المواطنة مظلة جامعة، وفي الوطن بيتا يتسع للجميع.
وهنا تكمن الرسالة الأهم.. إن بناء السودان الجديد لا يبدأ بإعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب فحسب، بل يبدأ بإعادة إعمار العقول التي أنهكتها سنوات الاستقطاب والانقسام. فالأوطان تبنى مرتين، مرة بالحجر، ومرة بالفكر، وما يرسخه الفكر يبقى أطول عمرا من كل شيء.