العدالة أسيرة الصمت

*الحروب لا تصنع الأبطال وحدها، وإنما تكشف أيضا كيف تتعامل الأوطان مع أبنائها بعد أن يهدأ غبار المعارك. فهناك رجال يكتبون أسماءهم بالدم والعرق، ثم يجدون أنفسهم ينتظرون كلمة عدل من الدولة التي قاتلوا من أجل بقائها.
* و ابن الجموعية و السليمانية خالد محمد المصطفى.. ليس اسما عابرا في سجل الخدمة العامة ولا في سجل معركة الكرامة. إنه واحد من أولئك الذين ظلوا، منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت الخدمة الوطنية مشروعا لبناء الدولة، يحملون مسؤولياتهم بصمت، متنقلا بين مواقع العمل العام حتى قاد المستشفيات مؤكدا أن الإدارة ليست مكتبا ولا لقبا، وإنما مسؤولية في أصعب الظروف.
*وحين تعرض الوطن لأخطر اختبار في تاريخه الحديث، لم يتردد خالد في حمل مسؤوليته الوطنية، وكان في مقدمة المدافعين عن مناطق الجموعية والريف الجنوبي لأم درمان، وأسهم في فتح الطرق وتأمينها، وكان له دور مشهود في إسناد سلاح المدرعات خلال أيام كانت فيها البلاد تقاتل من أجل البقاء. تلك صفحات يعرفها رجال الميدان، ويستطيع رفاقه، وفي مقدمتهم الأخ الصادق ود إبراهيم، أن يرووا تفاصيلها كما عاشوها.
*وفي يناير 2025، بينما كانت أصوات المدافع تعلو، كان خالد ورفاقه يخوضون معركة أخرى لا تقل بطولة، معركة إنقاذ مستقبل آلاف الطلاب، بإخراجهم من مناطق الحصار وتمكينهم من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، في ملحمة وطنية ستظل شاهدا على أن الانتصار لا يصنع بالبندقية وحدها، وإنما أيضا بحماية التعليم والحياة.
*لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو كيف يتحول رجل بهذا التاريخ إلى ملف يلفه الغموض؟ وكيف يستمر احتجاز مواطن لأشهر طويلة دون أن يعرف الرأي العام موقفه القانوني بصورة واضحة؟ إن هذه الأسئلة لا تخص أسرة خالد وحدها، وإنما تخص هيبة العدالة نفسها.
*لقد جاءت المذكرة التي رفعت إلى النائب العام بمبادرة وتقديم المك محمد عجيب، وبمباركة ومرافقة الأخ سيف، والدكتور محمد مساعد، والأستاذ صديق، إلى جانب أعيان ووجهاء الجموعية، مطالبة بكشف الوضع القانوني لخالد ومن معه، وتمكينهم من الضمانات التي يكفلها القانون. ولم تكن تلك المذكرة استجداء أو التماسا لعفو، وإنما مطالبة بتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء.
*ثم جاء ظهوره شاهدا أمام محكمة جنايات الإرهاب تحت حراسة الاستخبارات العسكرية ليؤكد أنه لدى جهة رسمية، وهو ما يجعل من حق أسرته، ومن حق المجتمع، أن يعرف الأساس القانوني لاستمرار احتجازه، وأن تحسم هذه القضية وفق الإجراءات العدلية التي كفلها الدستور والقانون.
*إن الدولة التي انتصرت في الميدان لا ينبغي أن تخسر معركة العدالة، فالمؤسسات القوية لا تبنى فقط بالسلاح، وإنما تبنى أيضا بسيادة القانون، واحترام الحقوق، وحسم أي إجراء يثير الشكوك أو يفتح أبواب التأويل.
*حسنا.. إن الكرة اليوم في ملعب النائب العام. فإما أن تقدم بينات واتهامات أمام قضاء مستقل وعادل، وإما أن تعاد الحرية لرجل قدم للوطن أكثر مما طلب منه الوطن. فلا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، كما لا يجوز أن يكون أحد خارجه.
*ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيين إجابته هو كيف نطالب المواطنين بالدفاع عن الدولة، إذا كانت الدولة تتأخر في إنصاف من وقفوا في صفها؟ فالعدالة ليست منحة، وإنما هي أساس الدولة، وإذا اهتز هذا الأساس، اهتز معه كل شيء.