أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة: 45

الجار “الشفاف”..!!
▪️ كان “البيت” في عرفنا السوداني ملاذاً للطمأنينة. كانت الجدران عندنا تحفظ الحرمات، والثقة بين الجيران ميثاقاً غير مكتوب، هو في عُرفنا أبقى من وثائق المحاكم. لسنوات طويلة، تقاسمنا مع الجيران مفاتيح بيوتنا، وتفاصيل حياتنا، وفرحنا، وترحالنا. كان الجار بالنسبة لنا هو “الستر” الذي نتكئ عليه في الشدائد، والرفيق الذي لا نخشى معه غدراً. كنا نرى في الجوار أمانة مقدسة تتوارثها الأجيال، ونعتبر الجار امتداداً للأسرة، نؤمنه على أسرارنا ونشاركه لقمة العيش، فصارت البيوت متصلة القلوب قبل أن تكون متصلة بالجدران.
▪️ لكن الحرب جاءت لتنسف كل ذلك من جذوره. لم يكن رعب المليشيا هو ما أوجعني، بل حين رأيت “الجار” في مقدمة صفوف المقتحمين، وحين علمت أن جاري الذي كان بيته يقابل بيتي، والذي حسبته أخاً قبل أن يكون جاراً، هو من فتح بابي للمليشيا ليجعلوا من منزلي مركزاً لهم. مشهدٌ لا يصدقه عقل؛ الجار الذي شاركنا لقمة الإفطار، صار هو من يشرع أبواب بيتي للغرباء. في لحظة واحدة، انهارت ثقة بنيناها سنين طويلة، ليحل محلها صمتٌ ثقيل لا أجد له تفسيراً، وكأنني أستيقظ على كابوس يلتهم كل ذكريات الطيبة والمودة.
▪️ تلاشت الروابط التي ظنناها صلبة كالصخر أمام غبار الحرب. سقطت الأقنعة، وباتت العشرة وسيلة للنهب والتشفي. لم تفجعنا جرائم المليشيا بقدر ما فجعتنا أفعال “أهل الدار” الذين حسبناهم منا، ولم ندرِ أن بينهم من كان يتربص بنا في الظلام. تلك الوجوه التي كانت تبتسم لنا في الصباح، أصبحت تحمل حقداً دفيناً ظهر جلياً مع أول اختبار للقسوة. كانت الصدمة مزدوجة؛ صدمة الفقد، وصدمة الخيانة، وكأننا نكتشف أننا كنا نعيش وسط غرباء يرتدون وجوه أصدقاء، فصار كل شيء حولنا مريباً، وكل نظرة من جار قديم تحمل تساؤلات مؤلمة.
▪️ صار “الجار الشفاف” واقعاً مؤلماً نعيشه في غياب القانون. لم يكتفِ البعض بالوشاية، بل انتقلوا لنهب الممتلكات بلا خجل. جيراني الذين غادروا الحي هرباً مع الجيش، نهبوا كل ما في بيتي، ولم يسلم الشجر من حقدهم؛ اقتلعوا شجيرات الليمون والجوافة. لم يتركوا باباً، بل وصل بهم الأمر لفك سلك الكهرباء من العمود الرئيسي وتحويله لمنزل جارٍ آخر. لقد تحول الجيران من حماة للقيم إلى لصوص يقتسمون الغنائم، يتباهون بما سرقوا في شوارعنا التي كانت يوماً ساحة للألفة، وكأنهم فقدوا بوصلة الأخلاق، متناسين أن الحقوق لا تسقط بالتقادم.
▪️ الأشد مرارة أنهم يستخدمون ما سرقوه أمام مرأى ونسمع كل الجيران، وكأن الحرب منحتهم حقاً في ما لم يكدحوا فيه. يحاولون تبرير فعلتهم بالفقر أو الظروف، وكأن الحاجة تبيح سرقة أخيك. إنها حيل واهية لتغطية فعلة لا تزيدهم إلا خسراناً في ميزان الأخلاق. كيف يطاوعهم ضميرهم على الجلوس فوق أثاثنا؟ وكيف يهنأون بنومهم في بيوتنا التي بنيناها بعرق السنين؟ إن الغرور الذي أصابهم جعلهم يعتقدون أنهم فوق المساءلة، وأن الحرب شرعت لهم سرقة أحلامنا وممتلكاتنا دون أدنى شعور بالذنب، وهو انحدار أخلاقي لا يبرره أي ظرف مهما قسا.
▪️ لقد غيرت الحرب النفوس إلى حد لا يمكن تصوره. صار الجار الذي كان يخاف على سمعته أكثر من ماله، يبيع ذمته بأثاث مستعمل. انقسم حينا، وصرنا نعيش فيه كغرباء، والجيرة التي كانت أماناً باتت خطراً نتحسب منه. صرنا نرى في كل جارٍ محتملاً للخيانة، نغلق أبوابنا ليس فقط أمام المليشيا، بل أمام من كنا نظنهم سندنا. إن هذا الخوف الذي تسرب إلى قلوبنا هو أكبر خسارة مادية ومعنوية، فقدنا الشعور بالبيت كواحة للسكينة، وأصبحنا نترقب الغدر من أقرب الناس، وهو شعور يقتل الروح ببطء، ويجعلنا نتساءل: هل سنعود يوماً لنثق في أحد؟
▪️ لكن، لا بد من كلمة حق في حق من أثبتوا أن المروءة لا تزال باقية. أولئك الذين رفضوا مد أيديهم لمال حرام، ودافعوا عن بيوت جيرانهم الغائبين، هم الأمل الذي نتمسك به. هؤلاء هم النور في عتمة الحرب، وهم الذين حفظوا ما تبقى من شرف الجيرة. تحية لهم، فقد كانوا الحصن الأخير للقيم السودانية في زمن السقوط، ولم يتأثروا بوباء النهب، بل ظلوا أوفياء، يحفظون غيبة الجيران، ويواسون من نكبوا، مؤكدين أن الخير أصيل في نفوس الناس مهما اشتدت المحن، وأن المروءة لا تموت، بل تظهر جلية في وقت الشدة.
▪️ التحدي اليوم ليس في ما ضاع من أثاث، بل في ترميم الثقة التي انكسرت. الحرب ستنتهي، لكن أثر الموقف الأخلاقي باقٍ. السارق سيبقى “لصاً” في ذاكرة الجيران مهما طال الزمن، والجار الوفي سيظل رمزاً للنبل. يجب أن نعي أننا أمام معركة استعادة الروح السودانية السمحاء. كيف يمكننا أن نجلس مع من خاننا؟ وكيف يمكننا أن نغفر لمن استباح حرمة بيتنا؟ إنها تساؤلات صعبة، لكن الإجابة تكمن في تمسكنا بقيمنا، وفي قدرتنا على عزل الغادرين، وتقدير الأوفياء الذين لم تلوثهم الحرب، حتى نتمكن من العيش بكرامة بعد انتهاء المعارك.
▪️ لا نبحث عن عفوٍ رخيص، بل نريد تسمية الأشياء بمسمياتها. لن نسمح لهذا الغدر أن يمر دون موقف واضح. بناء الثقة يبدأ بالصدق، والصدق يقتضي ألا نتهاون مع من خانوا العهد. يجب أن نضع حدوداً أخلاقية، وأن نعلن موقفنا بوضوح، فلا مساحة للرمادية في قضايا الشرف والحرمات. الخيانة لا تندمل بالصمت، بل بالمواجهة، وبإعلاء كلمة الحق. إن الصمت تجاه النهب هو مشاركة غير مباشرة فيه، لذا قررنا أن نكون صوتاً للحق، لنفضح ما حدث، ونؤرخ لهذه المرحلة كي لا تتكرر، ولتبقى دروسها حاضرة في أذهان الأجيال القادمة.
▪️ لقد سرقت الحرب بيوتنا، لكنها لم تنجح في سرقة إنسانيتنا، وسنظل قادرين على بناء بيوتنا من جديد، ليس بالحجر وحده، بل بالثقة التي ستظل تلاحق السارق وتفضحه في ذاكرة التاريخ. الإنسانية هي رأس مالنا الحقيقي، وما دام لدينا القدرة على الحب والوفاء، فنحن قادرون على النهوض. الحرب زلزلت الأرض تحت أقدامنا، لكنها لم تهز إيماننا بأن الخير هو الذي سيبقى في نهاية المطاف. ستعود البيوت عامرة بالبشر، وسيعود للحي رونقه، لكن ذلك يتطلب منا أن نكون شجعان في مواجهة الجراح، وأن نرفض أن نستسلم لليأس الذي أراده لنا الغادرون.
▪️ رغم مرارة الطعنة، سيظل حلمنا بمجتمع نبيل قائماً؛ فإذا كان “الجار الشفاف” قد أسقط القيم، فإن “الجار الوفي” هو من سيعيد بناءها، ونحن، رغم كل شيء، ما زلنا نراهن على هؤلاء. إن الرهان على الناس الطيبين هو رهان على الحياة نفسها. ورغم كل الدمار، ما زال في الحي بقية من أهل الخير، أولئك الذين يعملون في صمت، يرممون ما يمكن ترميمه، ويواسون القلوب المنكسرة. هؤلاء هم بناة المستقبل، وهم الذين سيجعلون حينا يعود كما كان، مكاناً للحب والوئام، وسنذكرهم بكل خير حين تستقر الأمور.
▪️ يجب علينا أيضاً أن ندرك أن هذه المأساة هي دعوة لإعادة ترتيب أولوياتنا. لم تعد الجيرة مجرد سكن متقارب، بل أصبحت اختباراً لمعادن الناس. تعلمنا في هذه الحرب دروساً قاسية لم نكن لنحلم بها، وعينا أن قيمة الإنسان ليست في ما يملك، بل في ما يحمل من مبادئ. هذه الأزمة وضعتنا أمام مرآة الحقيقة، وكشفت لنا أن البعض كان يختبئ وراء قناع من الزيف. لكننا الآن نعرف من هم أصدقاؤنا الحقيقيون، ومن هم الذين كانوا ينتظرون لحظة ضعفنا لينقضوا علينا. ستكون هذه المعرفة هي أساس علاقاتنا في المستقبل.
▪️ إن هذا الواقع الذي نواجهه مرهون بقدرتنا على التسامح حيث ينفع، وعلى الحزم حيث يجب. نحن لا نريد العيش في الماضي، لكننا لا يمكننا نسيان من طعننا في الظهر. يجب أن نخلق واقعاً جديداً قائماً على الشفافية والوضوح. إننا نحتاج إلى بناء ميثاق أخلاقي جديد بيننا، يرسخ قواعد الجوار الصحيحة، ويحمي حقوق الجميع. هذا الميثاق لا يحتاج إلى توقيع في محاكم، بل إلى عهد بين القلوب. إننا نملك فرصة لنعيد تشكيل مجتمعنا على أسس أكثر صلابة، مستفيدين من تجارب الألم التي صقلت أرواحنا وجعلتنا أكثر إدراكاً لجوهر الحياة.
▪️ لا تزال هناك بارقة أمل تلوح في الأفق، رغم كل ما نراه من حطام. هذا الأمل يستمد قوته من تمسكنا بكرامتنا ومن رفضنا للذل. إننا نرى في أعين الأطفال أملاً يتجاوز جراحنا، ونسمع في أصوات المخلصين نغمة تطمئننا بأننا لسنا وحدنا. إن هذا الحراك الشعبي للتمسك بالقيم هو الرد الأقوى على كل محاولات تمزيق نسيجنا الاجتماعي. سنستمر في الكتابة، وفي التوثيق، وفي التذكير، حتى نصل إلى اللحظة التي يسود فيها الحق، ويتم محاسبة كل من أجرم في حق جاره، لتعود للحي هيبته، وللجار ثقته.
▪️ نخلصُ إلى أن العبرة هي الغاية. إننا نكتب لكي لا ننسى، ونكتب لكي يتعلم الآخرون. هذه السطور ليست مجرد شكوى، بل هي رسالة إلى كل من يقرأها: احفظوا جيرانكم، وكونوا لهم سنداً، فالحرب زائلة ولكن الأثر الأخلاقي أبدي. لن نحمل في قلوبنا إلا الوفاء لمن وقفوا معنا، وسنترك للزمن أن يعيد الحقوق لأصحابها. ما دامت الشمس تشرق، سنظل نؤمن بأن الخير سينتصر، وبأن السودان الذي نعرفه، بلد الكرم والشهامة، سيستعيد عافيته بفضل المخلصين من أبنائه، الذين يرفضون الانكسار ويواجهون الغدر بكل شجاعة وصمود، ليظل “بيت الأمان” فكرة حية لا تموت.