أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. جودة الحياة.. من القلب إلى الدولة

 

جودة الحياة هي مفهوم شامل يتمثل في الرضا العام الذي يشعر به الأفراد والمجتمعات،لا يحسب ذلك الرضا رقميا ولا يعني الرفاهية المادية فحسب، بل هو ذلك الإحساس اليومي بالطمأنينة،أن تصحو بلا خوف وأن تعمل وأنت تعلم أن لجهدك قيمة وأن تعود إلى بيتك فتجد فيه سكنا ومودة،تبدأ بالعافية، فلا نهضة لعقل في جسد منهك ولا قرار رشيد في نفس قلقة وتمتد إلى الأمان الذي يجعل الإنسان يخطط لمستقبله بدلا من أن ينشغل بالنجاة وإلى عمل يحمل معنى لا يستهلك العمر بلا أثر.

والإنسان لا يعيش وحده، فالعلاقات الدافئة والبيئة التي تحترمه جزء أصيل من جودة حياته.. جلسة مع من نحب وشارع فيه ظل ووقت نتعلم فيه ونتجدد، كلها تفاصيل صغيرة تصنع الفرق بين الوجود والحياة.

جودة الحياة مسؤولية دولة وتخطيط مؤسسي وممارسة يومية، هي أن توفر الحكومة بنية تحتية تليق بالإنسان وتحترم وقته،مستشفيات يجد فيها المريض رعاية بلا عناء انتظار ومؤسسات تعليمية تبني عقلا ناقدا لا ذاكرة فقط وطرق ومواصلات عامة تعيد للمواطن ساعات ضائعة من عمره،كانت تهدر في الركض خلف المركبات ليصل إلى مقصده،هي أن تتحول الخدمات من أوراق ومعاملات إلى تجربة رقمية سلسة تنجز بكفاءة ومرونة، من تجديد رخصة إلى علاج إلى تعليم.

إن المفتاح الذي يحول هذه الخدمات من وعود إلى واقع هو “الحوكمة الرشيدة”، فالحوكمة تعني أن تُدار الدولة بشفافية فيعلم المواطن أين تذهب الميزانية وعلى أي أساس تُتخذ القرارات وأن توجد مسآءلة واضحة فلا حصانة لفشل ولا غموض في الأداء وتعني المشاركة، فتُشرك الحكومة المجتمع في رسم السياسات عبر استبيانات واستشارات ومجالس محلية تسمع لصوت المواطن في الحي قبل أن تبني الحديقة أو تمد الطريق،كما تعني العدالة في توزيع الفرص، فيصل الدعم لمستحقيه عبر بيانات موحدة ويجد الشاب وظيفة لائقة في بيئة أعمال مستقرة وواضحة القواعد.

من نماذج جودة الحياة حكومياً،مدن تُخطط بمساحات خضراء وممرات مشاة تقلل التلوث وتحسن الصحة النفسية وبرامج إسكان ميسر تمنح الأسرة استقرارا مبكراً وأنظمة حماية اجتماعية ذكية تستهدف المحتاج بدقة ومؤشرات أداء معلنة تقيس رضا الناس لا عدد المشاريع فقط، فالدولة التي تفهم جودة الحياة تقيس نجاحها بسؤال بسيط: هل عاد الأب إلى بيته مبكراً؟ هل اطمأن المريض؟ هل وجد الخريج مستقبله في وطنه؟ والحوكمة هي الضمانة التي تجعل هذا النجاح مستداماً وعادلاً، لأنها تربط بين الرؤية والتنفيذ وبين السلطة والمسؤولية.

إن الإسلام جعل جودة الحياة تبدأ من القلب المطمئن بذكر الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[ الرعد: 28]،فالسكينة لا تُشترى وهي أن يعيش الإنسان مقاصد الشريعة الخمس: يحفظ دينه وعقله ونفسه وماله وعرضه،أن يأكل من حلال ويلبس من حلال وينفق بلا إسراف ولا تقتير، أن يبر والديه ويصل رحمه ويحسن إلى جاره، فالمجتمع المتماسك هو البيئة الأولى لجودة الحياة والإسلام لا يفصل بين الدين والدنيا والآخرة، فجعل العمل عبادة والعلم فريضة والعدل ميزانا والإحسان خلقا،فمن عاش بهذا الميزان وجد في القليل بركة وفي الكثير شكرا وفي الشدة صبرا.

وفي النهاية يبقى السؤال: بهذا المعنى هل نحن اليوم أقرب إلى الكرامة والهدوء والرضا بالحال من الأمس؟ فإن كانت الإجابة نعم، فنحن على طريق الحياة الحقيقية.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى