أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. دارفور والإنسان اللامنتمي..فخ الهامش ووهم المركز

 

لا يمكن مقاربة حال دارفور اليوم دون المرور أولاً على المصطلح الذي حكم وعي الإقليم وتفكيره الجمعي لعقود،إنه مصطلح “المركز والهامش” فهذه الثنائية ليست قدراً جغرافياً ولا حقيقة تاريخية، بل هي صياغة مستعارة وحديثة في الخطاب السياسي السوداني،يعود أصلها الفكري إلى نظريات (العلوم الاجتماعية الأوروبية) في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وبالتحديد إلى نظرية “نظام العالم” لـ “إيمانويل والرشتاين _Immanuel Wallerstein” ونظرية التبعية لـ “أندريه غوندر فرانك _Andre Gunder Frank”، اللتين حللتا العلاقة بين “دول المركز” الرأسمالية المتقدمة و”دول الأطراف” أو “الهامش” النامية التابعة.

وقد نقل اليسار السوداني هذه الثنائية من السياق العالمي إلى الإستهلاك داخليا،فاكتسب المصطلح دلالته المحلية لأول مرة في بيان الحركة الشعبية لتحرير السودان “المانفستو” عام (1983م)، متأثراً مباشرة بأدبيات اليسار والماركسية آنذاك،ثم تولى “د. أبكر آدم إسماعيل” التأطير الأكاديمي لها في منتصف التسعينيات من خلال كتابه “جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان”، فحوّله من شعار سياسي إلى إطار تحليلي متكامل وبهذا الاختزال تحوّل المصطلح من أداة تحليل إلى أداة ابتزاز،صار كل تقصير في الخدمات يُلقى على ظهر المركز وكل عجز محلي يُغطى بعباءة المظلومية، فغدت المجتمعات تنتظر ولا تبادر، وتشكو ولا تبني، لأن الخطاب نفسه أعفاها من مسؤولية الفعل.

التاريخ لا يسند هذه الثنائية،فالسودان الحديث لم يعرف يوماً مركزاً واحداً مطلقاً،كانت دارفور حتى سنة (1916م) سلطنة قائمة بذاتها، لها سلطانها ونظامها الأهلي وتجارتها مع الغرب الإفريقي وتواصلها مع العالم الخارجي مثلها وسائر الدول المستقلة حينها وتعاملت معها بريطانيا طوال فترة الحكم الثنائي بوصفها عبئاً لا غنيمة. لبعدها عن مركز الحكم والإقتصاد في وسط السودان وشماله وشرقه ولاتساع مساحة دارفور ووعورة أرضها وبالتالي صعوبة السيطرة الكاملة عليها وهي أرض نزاعات متوارثة واقتصادها الرعوي المطري جعلها غير مجدية اقتصادياً في حسابات إدارة حكومة السودان الإنجليزي ولم يحدث ضمها إلا في خواتيم الحرب العالمية الأولى، حين تمرد السلطان علي دينار على سلطة الخرطوم الإستعمارية وانحاز إلى دول المحور ضد التاج البريطاني عبر تواصله بتركيا حليفة الألمان أعداء بريطانيا التقليديين،فكان التدخل العسكري وأحتلال الإقليم وضمه قسراً إلى السودان، دخلت دارفور الدولة القومية بلا دمج اقتصادي، لا عن قصد إقصاء، بل لأن طبيعة الأرض وبُعد المسافة فرضا ذلك الواقع.

ومن هنا جاء وجه الشبه والاختلاف مع وسط السودان،لم يقم مشروع الجزيرة كنموذج تنموي تفضيلاً سياسياً، بل لأن النيل منح أرضاً طينية ورياً دائماً وقرباً من الموانئ وخطوط السكة الحديد،تلك معادلة جغرافية لا يمكن نسخها في دارفور، فالإقليم لا نهر فيه ولا ري دائم، واقتصاده زراعة مطرية ورعي وكان المنطق يقتضي أن يبحث أهله عن نموذج تنموي يوافق بيئتهم، لا أن ينتظروا نسخة قادمة من الخرطوم.

لكن الاختلاف الأكبر كان في الاستجابة حين ضعفت الدولة في مناطق كثيرة بعد الاستقلال، لجأت مجتمعات وسط وشمال وشرق السودان إلى نفسها،حيث قامت نفرات أهلية وتبرعات محلية ولجان شعبية لحفر الآبار وبناء المدارس وشق الطرق،لم تلغِ هذه المجتمعات دور الدولة، لكنها لم تجعله شرطاً لتبدأ،أما في دارفور فقد استحكم خطاب المظلومية المبني على ثنائية “المركز والهامش” ومع اندلاع الصراع المسلح في دارفور سنة (2003م) تحوّلت المطالبة بالحقوق إلى مواجهة عسكرية أحرقت القرى ودمرت البنية التحتية وهجّرت الكفاءات وعطّلت أي حراك تنموي ذاتي، فدخل الإقليم حلقة لا تنتهي، كلما اتسع الصراع تراجع الاستثمار وكلما تراجع الاستثمار ازدادت حدة خطاب المظلومية.

وتفاقمت المفارقة أكثر،فتحولت دارفور إلى عبء مباشر على المركز،المتهم بتهميشها ،صار دافع الضرائب في بقية الولايات يمول فاتورتي السلم والحرب في دارفور معاً، بينما غرق إنسان دارفور في المطالب دون أن يكون فاعلاً إيجابياً،فقد تحوّل في كثير من الأحيان إلى مصدر للتوترات والنزاعات ونسف ما تم إنجازه من بناء وعمران في دارفور طوال الحقب الوطنية المتعاقبة منذ الاستقلال وفي هذا المناخ أصبحت بعض نخب دارفور وبعض مغامريها ايضا يجرون خلف الثراء السريع،مستثمرين في هذا الوضع المعيب، لأن استمرار الأزمة تحول لمصدر نفوذ وتمويل وامتياز.

ويزيد الأمر تعقيداً أن دارفور حدودها مفتوحة مع أربع دول، وامتداداتها القبلية والثقافية تصل إلى عمق غرب إفريقيا وصولا لساحل المحيط الأطلسي،سهّل هذا التداخل عبر التاريخ حركة التجارة والحج والهجرات الموسمية،لكن موجات الجفاف في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وما تلاها من حروب في تشاد وليبيا، أنتجت حراكاً سكانياً متصلاً،دخلت مجموعات واستقرت وتحركت أخرى، فضعف بذلك مفهوم “الولاء المكاني” بالمعنى الحديث للدولة، وأضحى ارتباط الإنسان بالأرض مرتبطاً بالماء والمرعى أكثر من ارتباطه بمشروع تنمية الولاية ورغم ذلك فإن التداخل وحده لا يفسر التأخر، فهناك أقاليم حدودية في السودان نجحت في تحويل انتمائها القبلي إلى رأس مال اجتماعي للإعمار.

وها نحن اليوم أمام النتيجة، بنية تحتية ضعيفة وتعليم متعثر وصحة منهكة واقتصاد رهين للموسم والمطر وحتى بعد اتفاقيات السلام ظل الرهان كله على تمويل المركز والمانحين، دون أن تنهض نفرة مجتمعية واسعة تعيد للإقليم زمام المبادرة.

خلاصة القول إن دارفور لم تتأخر لأنها هامش، بل لأنها ظلت أسيرة خطاب غير موضوعي جعل من الانتظار عقيدة والأوطان لا تُبنى بخطاب الضحية،المطلوب الآن تجاوز هذا الفخ والانتقال إلى خطاب الفاعلية،انتماء للإقليم بوصفه وحدة إجتماعية وتنموية عبر إستنفار شعبي لإسناد الجيش الوطني لتحرير ولايات دارفور المحتلة بواسطة مليشيا الدعم السريع وعدم ترك الأمر للحركات المسلحة وحدها،فقد أثبتت التجربة أن هذه الحركات العسكرية والسياسية لم تقدم للإقليم وإنما عمقت الأزمة إن لم تكن هي سببها إبتداءا وذلك بالمزايدات والإبتزاز لأجل السلطة والتمكين واستحواذا للثروات لصالح قادتها ومنسوبيها وليس لتنمية دارفور التي تمردوا بإسمها على الدولة قبلا،يعقب التحرير مبادرات أهلية للإعمار وشراكة مع الدولة تقوم على مشروعات محلية جاهزة لا على قوائم مطالب مفتوحة، فالسؤال الذي يجب أن يواجه به إنسان دارفور نفسه لم يعد: ماذا فعل بنا المركز؟ بل: ماذا فعلنا نحن بأرضنا؟

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى