د. محمد بشير عبادي يكتب.. الواجهات المائية في السودان.. من الإهمال إلى الاستثمار

يمتلك السودان ثروة مائية نادرة لا تتوفر لكثير من الدول، فهو يطل على البحر الأحمر بساحل يبلغ (853 كيلومتراً)، وتشقه أنهار النيل الأزرق والأبيض والنيل الرئيس بمسار طويل يربط الجنوب بالشمال، إلى جانب أنهار موسمية وخزانات وبحيرات كبرى والميزة الأهم أن هذه الواجهات طبيعية بالكامل، غير مصنوعة كما في عديد الدول، وتتمتع بمناظر خلابة وجغرافيا فريدة،فجزيرة توتي في قلب الخرطوم عند ملتقى النيلين نموذج حي لجمال الواجهات النيلية الطبيعية التي يمكن أن تتحول إلى وجهة سياحية عالمية عند إحسان استثمارها ورغم هذا الغنى ظلت الواجهات المائية معطلة لعقود، محصورة في الاستخدام المنزلي والزراعي التقليدي والنقل المحدود ولم تتحول إلى رافد حقيقي للاقتصاد الوطني.
الواجهة البحرية في بورتسودان وسواكن تقع على أحد أهم ممرات التجارة في العالم وتتميز بمياه عميقة تصلح لاستقبال أكبر السفن وبثروة سمكية وسياحية وشعب مرجانية مصنفة عالمياً بجمالها النادر،أما واجهة نهر النيل بمدنها الكبرى من الخرطوم مرورا بعطبرة وشندي وصولا لوادي حلفا فهي شريان حياة للزراعة والمياه العذبة وتمتلك قابلية عالية لأن تصبح مساراً رخيصاً للنقل النهري يربط مناطق الإنتاج بالأسواق والموانئ، كما يمكن أن تتحول ضفافه الحضرية إلى كورنيشات استثمارية وسياحية تدر دخلاً كبيراً والخزانات والبحيرات مثل الروصيرص وسنار وجبل أولياء وبحيرة النوبة تملك فرصاً واسعة في السياحة البيئية وتربية الأسماك وإنتاج الطاقة.
الاستفادة من هذه الواجهات تتطلب نقل التفكير من الحماية إلى الاستثمار،يمكن تحويل بورتسودان إلى ميناء محوري للترانزيت لدول الجوار الحبيسة مع إقامة مناطق صناعية ولوجستية حرة خلفه وإعادة إحياء سواكن التاريخية كمدينة تراث وسياحة عالمية وعلى النيل ينبغي إعادة تشغيل الخط النهري لخفض تكلفة نقل البضائع وربط مشروع الجزيرة والشمالية بالموانئ، مع تطوير الواجهات النيلية في المدن الكبرى لتضم فنادق عائمة ومطاعم ومراسي سياحية على غرار التجارب العالمية الناجحة، مع الحفاظ على الطابع الطبيعي للمناظر،مثل توتي والجزر النيلية الأخرى،كما أن الاستزراع السمكي في أقفاص على بحيرات الخزانات والاستفادة من طاقة الشمس والرياح على ساحل البحر الأحمر يمكن أن يفتح أبواب تصدير جديدة ويوفر فرص عمل واسعة.
إن طريق التطوير يواجه عقبات واضحة في مقدمتها غياب رؤية موحدة وتخطيط طويل المدى وضعف البنية التحتية، والتعديات على حرم النيل والبحر وصعوبة التمويل وتداخل الصلاحيات الإدارية ولمعالجة ذلك تلزم إرادة سياسية تنشئ هيئة اتحادية عليا تضع مخططاً موحداً للواجهات المائية لخمسين عاماً قادمة، وتفتح الباب أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي بنظام الشراكة وبناء وتشغيل ونقل الملكية، مع منح حوافز ضريبية جاذبة،مع وجوب إزالة التعديات بالقانون وحماية البيئة بإنشاء محطات معالجة قبل إلقاء أي مخلفات في النيل أو البحر وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة المشاريع بحيث يعود جزء من العائدات مباشرة لتنمية مناطقهم بما يضمن الاستقرار ويمنع الصراعات.
الواجهات المائية ليست ترفاً جمالياً ولا ملفاً يمكن تأجيله،هي قضية أمن وطني واقتصاد وبقاء،فكل كيلومتر على البحر الأحمر وكل متر على ضفاف النيل يمثل مشروعاً محتملاً وفرصة عمل وصناعة لم تُبنَ بعد،العالم يتسابق على استثمار واجهاته المائية لأنها بوابة المال والسياحة والتكنولوجيا، بينما تظل موارد السودان الطبيعية غير المستغلة شاهدة على تأخر القرار.
إن الأمم تبنى بالموارد التي تملكها وقد وهب الله سبحانه وتعالى السودان أطول نهر وأهم بحر وأميز موقع،إما أن تتحول هذه الواجهات إلى مصانع للرخاء وإما أن تبقى شاهدة على الفشل في استثمار نعمة متاحة والمطلوب اليوم قرار يتبعه عمل منظم يحول كل تلك الإمكانيات الضخمة والنادرة من عنوان للإهمال المؤدي للهدر إلى عنوان للبناء والنهضة.