د. محمد بشير عبادي يكتب.. المليشيات المسلحة.. العقبة أمام بناء دولة المؤسسات في السودان

لم تظهر المليشيات المسلحة في السودان فجأةً، فقد بدأت منذ ستينيات القرن الماضي بعصابات النهب المسلح في دارفور، وغذت هذه الظاهرة الحروب (الليبية – التشادية) التي دارت على مراحل بين (1978 و 1987م) وما صاحبها من تدفق للسلاح عبر الحدود السودانية – التشادية – الليبية المفتوحة، فتحول النهب من حوادث فردية إلى تشكيلات منظمة ذات زعامات ومناطق نفوذ.
في فترة الديمقراطية الثالثة (1986 – 1989م) ظهرت “قوات المراحيل” كتشكيلات قبلية مسلحة استُخدمت في تأمين المناطق ضد التمرد في جنوب السودان ومع مطلع الألفية الثالثة انفجر المشهد في دارفور، فظهرت حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، ثم تفرعتا إلى عشرات الحركات المسلحة المتمردة التي حملت السلاح في وجه الدولة.
ومع حكم الإنقاذ تمت عسكرة القبائل عبر “حرس الحدود” الذي تَشكلت نواته في دارفور سنة(2003م) لمحاربة حركات التمرد التي بدأت قتالها في هذا التوقيت وفي (2013م) جرى تحويل بعض هذه التشكيلات إلى “قوات الدعم السريع” التي بدأت تابعةً لجهاز الأمن والمخابرات، ثم صدر لها قانون خاص في (2017م) فأضحت قوةً مستقلةً تتبع لرئاسة الجمهورية.
إن الفكرة المعلنة في كل المراحل كانت “مساندة القوات النظامية” و”سد الفراغ الأمني”، لكن النتيجة كانت واحدةً: مليشيات تقع خارج مؤسسات الدولة وتتحول مع الوقت إلى سلطة موازية ذات موارد وجبايات وخطاب خاص بها.
واليوم يتكرر الخطأ ذاته تحت لافتة جديدة،فقد انتشرت بعض الحركات المسلحة الموقعة على “اتفاق جوبا” الذي تم في (2020م) داخل مدن الولايات وأقامت ارتكازات ومظاهر عسكرية وفرضت وجودها في الأسواق والأحياء السكنية وتعددت الشكاوى من تجاوزاتها ومن خطاب يخلط بين القومية والقبلية والمستفيد الحقيقي ليس الوطن، بل لوردات الحروب وتجار الأزمات وبعض المنتفعين من أبناء الحواضن القبلية لهذه الحركات، لأنها في جوهرها حركات قبلية تتمظهر بالقومية.
وقد بلغ الأمر حد التصريحات المستفزة مؤخرًا من أحد قادة هذه الحركات، إذ قال “مني أركو مناوي” رئيس حركة جيش تحرير السودان: “الحركات المسلحة ستظل موجودة في الشمال والشرق والوسط ومن شعر بالضيق فمعبر أرقين قريب” وهذا القول يصادر حق المواطنة ويجعل البقاء في العاصمة ومدن السودان كافة مشروطًا بموقف المواطن من أي قوة مسلحة، فالدولة ليست ملكًا لحركة مسلحة ولا لسكان إقليم بعينه ومن حق المواطن السوداني أن يسكن في أي شبر من وطنه بحكم الدستور والقانون لا بحكم البندقية.
لا دولة مؤسسات بلا جيش واحد ولا أمن دون سلاح بيد القوات النظامية وحدها،إن الدفاع عن البلاد مسؤولية حصرية للقوات المسلحة السودانية بوصفها مؤسسة وطنية جامعة وأمام الحركات المسلحة خياران لا ثالث لهما،إما الاندماج الكامل في الجيش الوطني وفق معايير مهنية وترتيبات أمنية شفافة، أو التحول إلى العمل السياسي المدني ونزع السلاح.
لقد دفع السودان ثمن المليشيات دمًا وأزمات سياسية وإجتماعية وإقتصادية منذ ما قبل الإستقلال وحتى اليوم،لذلك كفى تجارب، فإن معركة بناء الدولة تحتاج إلى بندقية واحدة وعلم واحد ودستور واحد ومن أراد أن يخدم السودان فليخدمه من داخل مؤسساته لا من خارجها.