د. محمد بشير. عبادي يكتب.. الكنابي تركة المحتل اللئيم..من توصية ونجت إلى مؤتمر الكنابي

ما أظهرته وثائق سلطة الاحتلال البريطاني في السودان (1898-1956م) يكشف أصل الكنابي وكيفية نشأتها،فقد أوصى “ونجت باشا” حاكم عام السودان الإنجليزي في تقريره سنة (1904م) بضرورة استجلاب عمالة من غرب السودان وغرب أفريقيا للعمل في المشاريع الزراعية المقترحة التي من أجلها أحتلوا السودان وذلك لإحتمال هؤلاء الوافدون لطقس وبيئة السودان وجدير بالذكر أن حكومة ونجت حاولت قبل ذلك استجلاب عمالة من أمريكا الجنوبية ومن صعيد مصر ولكن التجربة فشلت إذ تفشت الأوبئة في أوساطهم ولم يستطيعوا التأقلم مع حياة السودان،فمات كثير منهم ورجع أغلبهم لبلادهم،فكان القرار بتشجيع الهجرة من غرب السودان خاصة دارفور وقد كانت وقتها سلطنة مستقلة وكذلك تشجيع هجرة العمالة من غرب أفريقيا.
ومن هذه التوصية الاستعمارية انطلقت نشأة الكنابي مع قيام مشروع الجزيرة سنة (1925م) فقد احتاجت الإدارة البريطانية إلى أيد عاملة بأعداد ضخمة ورخيصة الكلفة لزراعة القطن وحصاده، فاستقدمت عمالة موسمية من غرب السودان وغرب أفريقيا كما أسلفت وكلما تقادمت السنوات زادت وتيرة الهجرة لتبلغ ذروتها مع موجات الجفاف والتصحر التي ضربت الغرب الأفريقي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي وتكررت في الفترة بين (1973 و1983م).
ومصطلح “كنبو” نفسه سودنة للكلمة الإنجليزية “camp” والذي يعنى المعسكر أو المستوطنة المؤقتة وقد أُطلق في البداية على ثكنات تجمعات العمال المبنية من المواد المحلية على أطراف الترع والحواشات، إشارة إلى الطابع الموسمي للإقامة ولم يكن الهدف توطينهم كملاك للأرض، بل توفير قوة عمل،لكن مع مرور الزمن تحولت هذه المعسكرات إلى تجمعات سكنية شبه دائمة تعايش أهلها في سلام ووئام مع أصحاب الأرض وتشاركوا معهم فلاحتها ،تتمركز الكنابي اليوم بصورة أساسية في الجزيرة وسنار والنيل الأبيض والقضارف والنيل الأزرق، ويتجاوز عددها الألف كنبو ويقدر سكانها بين مليون ومليون ونصف نسمة ويتكون نسيجها من قبائل غرب السودان وجبال النوبة ومكونات ذات أصول غرب أفريقية.
ظل الوضع القانوني لسكانها مرتبطا بصفة “العمالة الوافدة” فهم يقيمون على أراضٍ حكومية أو أراضٍ مملوكة لأفراد دون سند ملكية وتعقد هذا الوضع بعد اتفاقية السلام (2005م) وانفصال جنوب السودان (2011م).
وفي السنوات الأخيرة برز “مؤتمر الكنابي” كجسم نقابي انتقلت مطالبه من الخدمات إلى تملك الأرض والواقع أنه جماعة ضغط لجأت من ضمن ما لجأت إلى المجتمع الدولي لتدويل مطالبها المتمثلة في نزع حقوق أهل الأرض لصالح سكان الكنابي،تحت غطاء حق الإنسان في السكن وهو بذلك أقرب إلى كيان مثير للفتنة منه إلى كيان عدالة، إذ انه اذا أراد الإنصاف لما طالب بالتوطين في أرض الغير ولا اعتمد خطابا عاطفياً لتحقيق أهداف سياسية والحقيقة التاريخية أن سكان الكنابي دخلوا كعمالة وافدة ونازحين للإنتاج الزراعي، وليسوا من أهل الأرض الأصليين في حواكير الجزيرة وقد استغلت بعض الأحزاب السياسية والإتحادات النقابية رغبة سكان الكنابي في تملك الأرض منذ ما قبل الاستقلال فعملت على تحقيق شعار “الأرض مقابل الولاء” وذلك بالوعود الكاذبة وعطاء من لا يملك لمن لا يستحق فعمقت الأزمة.
إن الحل لا يكون بظلم جديد،فالمحتل البريطاني اللئيم انتفع من أرض السودان بتوفير المواد الخام لمصانعه وراء البحار على حساب صاحب الأرض وبسبب ذلك ظلمه مرتين،الأولى في استغلال أرضه وافقاره والثانية بوضع قنبلة موقوتة قبل أن يغادر البلاد متمثلة في ساكن الكنبو الذي صار اليوم مواطنا سودانيا له حق السكنى في أي مكان، لكنه لا يريدها عبر التنافس الطبيعي في الخطط الإسكانية للأراضي الحكومية أو بالشراء من حر ماله، بل يريدها بنزع أراضي الآخرين لصالحه.
إن الكنابي نتاج تاريخ اقتصادي وبيئي مرتبط بمشروع الجزيرة وهروب رعايا دول أخرى بسبب الجفاف من بلدانهم وتحويلها إلى ساحة لصراع الهوية والأرض يضر بالسودان مجتمعيا ويضر بأمنه،المطلوب تحرك الدولة تحركا يحقق عدالة تصون حقوق أهل الأرض وتمنح إنسان الكنبو كرامته كمواطن بلا انتقاص من حقوق غيره.