د. محمد بشير عبادي يكتب.. غزو المسميات.. حين تصبح اللافتات مهددا للهوية

تجول في شوارع الخرطوم اليوم فتجد نفسك أمام مشهد غريب. مقهى اسمه “كوفي هاوس” بجوار مطعم “برجر لاند” ومركز تجميل “بيوتي كلينك” ومكتبة “بوك ستور”،أختفت الأسماء العربية رويدا وقريبا ستكون نادرة والكلمات السودانية تكاد تختفي، حتى أن الزائر يظن نفسه في ضاحية من ضواحي لندن أو بغريس، هذه الظاهرة لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل عقد من الزمان،كانت المحلات تحمل أسماء “النيلين” و”أمدرمان” و”التيمان” و”السوق الكبير”، أما الآن فقد تحولت واجهات مدننا إلى لافتات مستوردة لا علاقة لها بذاكرتنا ولا بثقافتنا.
السبب الأول وراء هذا الانتشار هو التقليد الأجوف،إذ يظن كثير من أصحاب الأعمال أن الاسم الأجنبي يمنح المكان جاذبية وحداثة وأن الزبون سيقبل أكثر على “صالون جلوري” منه على “صالون الجمال”،فصارت المسميات بضاعة استهلاكية تُشترى من الخارج دون وعي، لمجرد المحاكاة لا الاقتناع، السبب الثاني هو العولمة المفتوحة والإعلام الذي يغرقنا يومياً بصور المقاهي والمطاعم الغربية، فأصبح الشاب يرى أن التميز هو في أن يشبه الآخر لا في أن يكون نفسه،السبب الثالث هو غياب الضابط،حيث لم تضع المحليات معياراً واضحاً للاسم التجاري، فترك الأمر لأهواء الناس والنتيجة كانت فوضى بصرية وهوية مغتربة لا تنتمي إلى مكان.
هذه الظاهرة ليست بريئة، أخطر ما فيها أنها تمس الهوية الوطنية مباشرة، اللغة هي وعاء الثقافة والاسم هو أول ما يراه الطفل ويحفظه،عندما ينشأ جيل كامل يقرأ “فاست فود” ولا يعرف اسم “وجبة سريعة” بلغته، وعندما تصبح أسماء أحيائنا ومحلاتنا غريبة عن ألسنتنا، فإننا نقطع الصلة بين الإنسان وأرضه،كما أن هذا الانفصال يخلق سوقاً طبقية، فالاسم الأجنبي صار يعني “راقي” والاسم العربي يعني “شعبي”، فتتعمق عقدة الدونية ونهرب من ذواتنا إلى تقليد لا يشبهنا.
التجربة العالمية والعربية تقول إن الحفاظ على الهوية قرار سياسي وقانوني لا مزاج، في فرنسا كنموذج فإن قانون “توبون” يلزم كل المحلات والإعلانات باستخدام اللغة الفرنسية ويفرض غرامات على من يكتب اسماً أجنبياً دون ترجمة واضحة،قانون توبون هو تشريع فرنسي صدر في (4 أغسطس 1994م)، يهدف إلى حماية وتعزيز مكانة اللغة الفرنسية ومنع طغيان اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية في المجال العام والتجاري،أما في المغرب تلزم القوانين المحلية بوضع الاسم بالعربية أولاً ثم بأي لغة أخرى وفي المملكة العربية السعودية أصدرت وزارة التجارة تعميماً يمنع تسمية المحلات بأسماء غير عربية إلا بعد موافقة وترجمة، مع تشديد رقابة البلدية وكذا الحال في تونس والجزائر وقطر والكويت،القاسم المشترك لدى كل تلك البلدان أن تكون اللغة العربية أولا مع ترجمة مسموحة للغات الأجنبية على أن تكون ثانوية لا أصل وقد سنت عديد الدول تشريعات تعاقب بشدة من يخالف معايير هويتها،حتى في تركيا وإيران توجد لوائح صارمة تحمي اللغة في الفضاء العام.
السودان أحوج ما يكون لمثل هذا، نحن بلد بتاريخ لغوي وثقافي عميق، من أسماء “أمدرمان” و”الجزيرة” و”البطانة” إلى مفرداتنا في الزراعة والصناعة والحرف،لا يعقل أن نترك هذا الإرث ونستبدله بكلمات لا تعني لنا شيئاً.
لذلك فإن الحل يبدأ بقرار واضح من سلطات الولايات بوضع هوية بصرية ثابتة لكل مرفق عام ولكل الأسواق والمحال التجارية،بأن يكون الاسم الأساسي باللغة العربية ويجوز إضافة ترجمة صغيرة تحته إن لزم الأمر،مع إلزام كل ترخيص تجاري جديد باعتماد اسم يعكس البيئة السودانية أو العربية أو الإسلامية، مع قائمة أسماء مقترحة تحفظ التراث وتشديد العقوبات على المخالفين بسحب الرخصة أو إزالة اللافتة المخالفة وغرامة مالية رادعة، حتى لا يصبح القانون حبراً على ورق.
الهدف ليس محاربة الأجنبي، فالتجارة مفتوحة والعالم متصل، الهدف هو ألا تذوب هوية بلادنا وتتلاشى، فمن حقنا أن نستفيد من العالم ولكن بلغتنا وباسمنا وبذوقنا، من حق الخرطوم أن تكون الخرطوم، لا نسخة باهتة من مدينة أخرى.
إذا تركنا الأمر للأهواء فسننتج بعد عشر سنوات هوية لا هي سودانية ولا هي غربية، هوية معلقة في الفراغ،أما إذا أحكمنا القانون وحمينا لغتنا في الشارع، فسنربي جيلاً يفخر باسمه وهويته قبل أن يفخر باسم وهوية غيره.