د. محمد بشير عبادي يكتب.. من معمل حلب إلى صفقات الجيران.. أين يكمن الخلل عندنا؟

قبل سنوات عدة وقبل الحرب في سوريا، زرت مدينة “حلب” تلك المدينة التاريخية بقلعتها المشهورة وخاناتها ومدارسها وأحيائها ببيوتها العتيقة وأثناء جولة لنا بالمدينة لنتعرف على معالمها، لفت نظري معمل صغير في زقاق ضيق بإحدى الحارات القديمة هذا المشغل يصنع الحلوى،دفعنا الفضول للدخول والتعرف على إنتاجه،كل الذي وجدناه ماكينة متوسطة الحجم يقف خلفها رجل واحد هو صاحب المعمل والصنايعي أيضََا وتوجد طاولة حديدية كبيرة تجلس حواليها ثلاثة فتيات،يقوم الرجل بإدخال عجينة جاهزة داخل جوف الماكينة فتخرج من الجانب الآخر حلوى جاهزة ومقرطسة، ثم تقوم إحدى الفتيات بجمع الإنتاج وتضعه فوق الطاولة فتتم تعبئته في أكياس وصناديق بعبوات زاهية المنظر بتصاميم أنيقة.
سألنا صاحب المعمل: أين تسوق إنتاجك؟
أجاب: ما ترونه الآن طلبية ستُشحن لإحدى دول الخليج، فالعمل عندنا بنظام الطلبيات،حتى السودان لدينا عملاء نشحن لهم إنتاجنا.
معمل صغير المساحة، قليل الأيدي العاملة، إنتاجه يتعدى السوق المحلي إلى الخارج، أربعة أفراد فقط استطاعوا أن يحولوا خامة محلية إلى منتج يصدر للخارج ويجلب عملات للبلد.
وفي المقابل، نسمع عن دول جارة تعقد اتفاقيات بمليارات الدولارات مع دول كبرى لتصدير الذهب وخامات زراعية ومعدنية،قوامها الصمغ العربي والسمسم والتبلدي والكركدي وعديد المحصولات التي تشتهر بها أرض السودان.
لا أريد أن أتحدث عن تسرب ثروات بلادنا عبر الحدود فقد طرقنا هذا الأمر مرارََا وصار أمرََا معلومََا، ما أريد قوله: ما الذي يمنع التصنيع وإعمال القيمة المضافة للخامات المعدنية والزراعية وتصديرها مباشرة للعالم وإغراق الأسواق بمنتجاتنا الطبيعية عالية الجودة؟
الفرق بين المشهدين واضح في منطق الاقتصاد، فصاحب معمل حلب اشترى كيلو العجينة بسعر زهيد وبعد أن أدخل عليها لمسة تصنيع وتغليف باعها بأضعاف السعر،ضاعف القيمة بجهد بسيط وتسويق ذكي.
أما نحن فبحسب الأسعار العالمية المتداولة، يباع طن السمسم الخام بما يتراوح بين (850 و 950 دولارََا)، بينما يصل سعر المنتجات المصنعة منه كالطحنية والحلاوة في أسواق الخليج إلى أكثر من (8 آلاف دولار للطن) وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية “الفاو” إلى أن السودان ينتج ما يزيد عن (70%) من إنتاج العالم من الصمغ العربي ويباع الخام منه بآلاف الدولارات للطن، بينما تباع المنتجات التي يدخل فيها بأضعاف ذلك السعر في الأسواق العالمية.
نحن نبيع الخامة بثمن بخس ونشتريها مصنعة بأضعاف السعر، ومع ذلك نخسر معها آلاف الوظائف وعائدات الضرائب وقيمة العلامة التجارية.
ما الذي مكن صاحب المعمل الصغير في مدينة حلب أن يصدر إنتاجه بإمكانيات بسيطة من حي شعبي قديم؟ وما الذي جعل دولََا أخرى تعقد صفقات دولية لخامات متاحة في السودان ونعجز نحن الأصحاب الأصليين لهذه الثروات؟
الخلل ليس في الخام ولا في الحرفي السوداني، الخلل في بيئة العمل، صاحب معمل حلب وجد تمويلََا صغيراً بالأقساط وإجراءات تصدير تنتهي خلال ساعات وعندنا يطلب البنك ضمانات عقارية مقابل تمويل محدود ويحتاج المصدر لوقت طويل وإجراءات معقدة حتى تخرج حاويته من الميناء.
المصنع يحتاج لكهرباء مستقرة طوال ساعات العمل وعندنا نعمل ساعات محدودة ثم نلجأ لمولد ووقود مكلف يلتهم أي هامش ربح،كما أننا ما زلنا نفكر بعقلية “بيع الخام أسهل” ولا توجد لدينا إرادة حقيقية لصناعة علامة تجارية عالمية باسم “صنع في السودان”.
القضية لا تحتاج لمليارات، تحتاج لقرار، نحتاج لنافذة تصدير واحدة تنهي كل الإجراءات في ساعات محدودة ونحتاج لكهرباء صناعية مدعومة للمصانع الصغيرة ونحتاج لسياسة واضحة تقلل الاعتماد على تصدير الخام خلال فترة انتقالية محددة.
معمل حلب استطاع بإمكانيات بسيطة أن يصل لأسواق الخليج. ودول أخرى استطاعت أن تبني اقتصادها على خاماتنا ونحن نملك إمكانيات مضاعفة من موارد وأسواق وعقول.
فما الذي ينقصنا غير الإرادة؟.